فهرس الكتاب

الصفحة 16403 من 27345

ولكنَّ فَهْمَ هذه الشريعة عند اليهود على هذا النحو مغلوطٌ إذا علمنا أن مبدأ هذه الشريعة جاء أمرًا إلهيًا مباشرًا منذ خليل الله إبراهيم عليه السلام ، وهو قبل ذلك فِطري ، ولم يظهر نتيجةَ تقليد حضاري ولا تطوُّرٍ قُرباني ، بل كان تطبيقُهُ أمرًا واجبًا يُثابُ فاعله ويُعاقَبُ تاركه ، ووجود هذه الشريعة الفِطرية في الحضارة الفرعونية الوثنية لا يعني انتقالها تقليدًا إلى بني إسرائيل ، بل كانت عند بني إسرائيل - كما تقدم - استجابة لأمر إلهي ، وقد جاء في سفر التكوين: ( هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك يختن كل ذَكَر منكم ، فتختنون القُلفة من أبدانكم ويكون ذلك علامةَ عهد بيني وبينكم ، وابن ثمانية أيام يُختن كل ذكر منكم مدى أجيالكم المولود في منازلكم والمشتري بفضة من كل غريب ليس من نسلكم ، يختن المولود في بيتك والمشتري بفضتك فيكون عهدي في أبدانكم عهدًا مؤبدًا ، وأي أقلف من الذكور لم تُختن القُلفة من بدنه تقطع تلك النفس من شَعبِها إذ قد نقض عهدي ) .

وكذلك يقرر المشرعُ نجاسةَ الجُنب ويوجب غسل البدن كاملًا ، فيقول سفر اللاويين: ( وأي رجل خرجت منه نطفة مضاجعة فليغسل جميع بدنه بالماء ، ويكون نجسًا إلى المغيب ، وأي امرأة ضاجعها رجل بنطفة فليرتحضا بالماء ويكونا نجسين إلى المغيب ) .

وحرم الله عز وجل عليهم في ما يطعمون كلَّ ذي ظفر غير مشقوق من الحيوان وكل ما لا يجتر على اعتباره نجسًا تنتقل نجاسته إلى لامسِه ، ولكن المشرع يضيف الأرنب إلى قائمة المحرمات رغم أنه من الحيوانات المجترة"ولكنه غير مشقوق الظفر فهو رجس لكم".

وكثيرٌ مما حُرِّمَ على بني إسرائيل من الطعام وغيره كان لأجل ما بغَوا وعصَوا ، وكذلك لتحريم يعقوب عليه السلام بعضَ هذا الطعام على نفسه وسير بني إسرائيل في ذلك على سنته .

ويشدد المشرع في تحريمه لحمَ الخنزير فيقول: ( والخنزير فإنه ذو ظفر مشقوق ولكنه لا يجتر فهو رجس لكم ، لا تأكلوا شيئًا من لحمها وميتتها ولا تمسُّوا فإنها نجسة لكم ) سفر اللاويين .

"ولقد جَرَّ تحريم لحم الخنزير على اليهود نوعًا من الامتحان العسير في الدين ، حيث كانت الأُمم التي تغزوهم وتحتلُّ أراضيهم وترغب في تحييدهم عن شريعتهم تمتحنهم بالطلب منهم أكلَ لحم الخنزير".

أما بالنسبة للدماء الحيوانية فهي محرمة الشرب لا لما يحويه الدم من الميكروبات الضارة ، بل لأنه نفس ، كونه دفق الحياة في الكائن الحي ، وله أهمية خاصة تتمثل في طقوس التكفير حيث"ينضحه الكهنة بالرش وفي يوم الغفران بنوع خاص ، يدخل عظيم الأحبار قدس الأقداس بدم الضحايا المقدَّمة عن خطاياه وخطايا الشعب".

أما في أحكام القِصاص والمعاملات فتتجلى العنصرية اليهودية والاحتكار اليهودي لمقومات الحياة المستقرة في المجتمع ، ولعل في الوصايا العشر التي تتضمن كثيرًا من هذه الأحكام بعض الاطمئنان إلى صحة كثير منها والوثوق بها .

فتحريم العقوق والزنى أو حتى مجرد الاشتهاء لامرأة قريبك أو ماله وشهادة الزور والربى والرشوة ، والنص على مقابلة كيفية العقاب بكيفية الجُرم المرتكب ، كل هذا مما جاءت به تعاليمُ القرآنِ الكريم المهيمنِ على ما سبقه من الكتب .

أما عن المرأة وما يتعلق بها من أحكام فيكشف المشرع عن نظرة دونية لا اعتبارية لها ولدورها في المجتمع ، ويتضح ذلك في أنحاء مختلفة منها مثلًا طريقة الزواج التي تقوم على مبدأ البيع والشراء بين الولي والزوج ، فاللواط بها جائز - بحسب التلمود - لأنها بالنسبة للزوج قطعةُ لحم اشتراها من الجزار ويمكنه أكلها مسلوقةً أو مشوية حسب رغبته .

ويذهب التلمود كذلك إلى اعتبار شهادة مئة امرأة بشهادة رجل واحد لِخِفَّة عقلها ، ولا ترث البنت مع وجود الابن ، ولا ترث الزوجة كذلك وينفق الوارثُ عليها ، ومن حقه أن يتزوجها أو يُزوِّجَها من يشاء ويأخذ مهرها ، ويستطيع كذلك أن يُبقيها رهينةً خادمةً في منزله دون زواج .

كما جاء في التلمود أنه"عندما تنذر المرأة المتزوجة نذرًا ، فإن لزوجها الحق بأن يوافق على النذر أو يبطله ، وأن امرأةً ما إذا أساءت إدارةَ البيت أو وَجدَ الرجلُ امرأةً أجملَ منها فله الحقُّ في أن يُطلِّقَها".

وتعود هذه النظرةُ الدونية للمرأة في المجتمع اليهودي إلى الاعتقاد التوراتي بأن ( حواء ) كانت سببَ بلاء البشرية بإغوائها ( آدمَ ) للأكل من الشجرة التي نُهِيا عنها ، وترَى التوراةُ أن حال المرأة في الدنيا من سيادة الرجل عليها ، ومن مَشاقِّ الحمل والوضع ما هو إلاَّ عِقابٌ إلهي عادل ، وتتضح في هذا فكرة الذنب الموروث القائمةُ في الاعتقاد المسيحي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت