(أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله، أولئك في ضلال مبين)
فالله سبحانه وتعالى، الذي هو نور السموات والأرض، قد أوحى بالنور القرآني، فحمله النور الملائكي، إلى النور النبوي والرسالي، فكانت الثمرة هي النور الإسلامي، الذي يخرج المستنيرين به من الظلمات إلى النور.
والناظرون المتدبرون لهذه الآيات القرآنية ـ التي أوردناها ـ شاهدا على هذا"التنوير الإسلامي"والتي تحدثت عن"نور الإسلام"سيجدون فيها مبادئ وقواعد وسمات وقسمات لهذا التنوير الإسلامي المبثوثة ملامحه في آيات القرآن الكريم.. سيجدون في هذه الآيات:
1 -تحرير الإرادة والضمير من العبودية لكل الطواغيت، بإفراد الله، سبحانه وتعالى، بالعبودية ـ وفي ذلك قمة التحرير للإنسان.
2 -واعتبار القرآن ـ أي"النقل"ـ والدين والشرع نورا للبصر والبصيرة ـ أي"للعقل"الإنساني ـ الأمر الذي ينفي التناقض بينهما.. حتى لا يصبح غناء ولا استغناء لأحدهما عن الآخر.
3-والاستدلال والبرهنة والاعتبار على الحقائق الإيمانية والعقائد الدينية بالآيات الكونية المبثوثة في الآفاق ـ الشروق والغروب ـ وبآيات الأنفس ـ الخلق والإحياء والإماتة والبعث ـ وليس بآيات النقل والغيبيات.
4 -والحوار ـ حتى مع الله ـ وذلك طلبا لليقين الديني الذي يطمئن به وإليه القلب، وذلك بواسطة التجربة الحسية ـ كما في حوار الخليل إبراهيم، عليه السلام، مع الله.
نعم، من هذه الآيات ـ وهي مجرد شاهد ـ يمكن للمتدبر أن يستخلص هذه القواعد للتنوير الإسلامي.. المحرر للضمير والإرادة.. والمؤاخي بين العقل والنقل.. والجاعل من الآيات الكونية والتجربة الحسية الطريق إلى اليقين الديني.
ولهذه الحقيقة من حقائق امتياز وتميز"التنوير الإسلامي"بالتوازن الجامع بين أنوار الشرع وأنوار العقل ـ كانت الوسطية الإسلامية، التي رفضت ـ منذ قرون ـ غلو الإفراط، الذي وقف أهله عند ظواهر النصوص والمأثورات، متنكرين للعقل والعقلانية ـ والذين مثلوا في ثقافتنا تيار الجمود والتقليد ـ كما رفضت هذه الوسطية، كذلك، غلو التفريط، الذي توهم أصحابه تناقض المعقول مع المنقول، فانحازوا للعقل وحده دون النصوص والمأثورات.
ووجدنا حجة الإسلام الغزالي"450 ـ 505 هـ 1058 ـ 1111م"يعبر عن هذه الوسطية الإسلامية الجامعة، وهذا"التنوير الإسلامي"ـ الرافض لغلوي الإفراط والتفريط ـ والذي يجمع بين نوري الشرع والعقل، اللذين هما نور على نور: وجدنا الغزالي يعبر عن هذا"التنوير الإسلامي"، فيقول:"إن أهل السنة قد تحققوا أن لا معاندة بين الشرع المنقول والحق المعقول، وعرفوا أن من ظن وجود الجمود على التقليد، واتباع الظواهر، ما أتوا به إلا من ضعف العقول وقلة البصائر. وأن من تغلغل في تصرف العقل حتى صادموا به قواطع الشرع، ما أتوا به إلا من خبث الضمائر. فميل أولئك إلى التفريط، وميل هؤلاء إلى الإفراط، وكلاهما بعيد عن الحزم والاحتياط، فمثال العقل البصر السليم من الآفات والآذاء، ومثال القرآن: الشمس المنتشرة الضياء، فأخلق بأن يكون طالب الاهتداء المستغني إذا استغنى بأحدهما عن الآخر في غمار الأغبياء. فالمعرض عن العقل، مكتفيا بنور القرآن، مثاله: المتعرض لنور الشمس مغمضًا للأجفان، فلا فرق بينه وبين العميان. فالعقل مع الشرع نور على نور".
فبهذا"التنوير الإسلامي"، المؤمن بالعقل والنقل، والجامع بين نورهما جميعا، صنعت الأمة الإسلامية حضارتها، المتميزة بين الحضارات، التي ـ لذلك التميز ـ تدينت فيها الفلسفة، كما تفلسف الدين!.. وغدا"العقل"ـ فيها: الأفق الذي يشرق فيه"الإيمان".
خيارات النهضة
لكن أمتنا قد أتى عليها حين من الدهر، غابت عن حياتها الفكرية هذه الموازنة بين العقل والنقل، بين البرهان والشرع، بين آيات الله في كتاب الكون المنظور وآياته في كتاب الوحي المسطور، فركنت الأمة إلى ظواهر النصوص، وجمدت عند حرفية المأثورات، واسترابت في أنوار العقل العقلانية.
فلما كان وتحسست أمتنا ـ في عصرنا الحديث ـ طريقها إلى اليقظة والنهضة والإحياء والتجديد ـ وكانت قد حدثت صلات بينها وبين الحضارة الغربية الناهضة ـ وجدت نفسها أمام خيارين في النهضة، ونموذجين للتنوير: