فهرس الكتاب

الصفحة 16467 من 27345

قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأبي هو وأمي ـ فقد كان يبشر أصحابه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقدوم رمضان كما أخرجه [أحمد] و [النسائي] عن [أبي هريرة ] رضي الله عنه قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبشر أصحابه"قد جاءكم شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه يفتح فيه أبواب الجنة ويغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم"، صححه [الألباني] كما في صحيح النسائي وقال [مُعَلاَّ بن الفضل] عن السلف: كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم وقال [أبو يحيى ابن كثير] كان من دعائهم: اللهم سلمني إلي رمضان وسلم لي رمضان وتسلمه مني مُتَقَبَّلا ، وباع قوم من السلف جارية فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهبون له ويستعدون بالأطعمة وغيرها فسألتهم فقالوا نتهيأ لصيام رمضان فقالت وأنتم لا تصومون إلا رمضان!! لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان ردوني إليهم ، هكذا كان السلف استقبال لرمضان فرمضان له طعم خاص ولذة عجيبة في نفوسهم رضوان الله عليهم فهو يبعث في نفوسهم قوة الإيمان والشجاعة والعزة والكرامة ولهذا كانت أكثر غزوات ومعارك المسلمين في رمضان لماذا ؟ نعم لماذا ؟ اسمع للإجابة إنها حياة الروح حتى وإن كانت البطون خاوية والشفاه يابسة فالحياة حياة الروح حياة القلب حياة الانتصار على النفس والشهوات ومن انتصر على نفسه انتصر على الأعداء من انتصر على نفسه انتصر على الأعداء إنها حياة الصلة والثقة بالله تعالي وهنا يكمن جمال رمضان وروعة هذا الشهر بتلك الروحانية العجيبة التي توقظ المشاعر وتؤثر في النفوس فرمضان له في نفوس الصالحين الصادقين بهجة وفي قلوب المتعبدين المخلصين فرحة فهو شهر الطاعات ولنا فيه جميل الذكريات إنه زاد الروح تتغلب الروح فيه على البدن والجسد.

وحتى لا أطيل عليكم فإلى الحديث عن تلك الروحانية وفيه حقيقة الروح وزادها وعلاقتها بالصيام .

حقيقة الروح:

الروح والنفس واحد غير أن الروح مذكر والنفس مؤنث عند العرب ولما سأل اليهود الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الروح نزل قوله تعالي (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) .

وروى [الأزهري] بسنده عن [ابن عباس] في قوله (ويسألونك عن الروح) قال إن الروح قد نزل في القرآن بمنازل ولكن قولوا كما قال الله جل وعلا (قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) . قال [ابن الأثير] وقد تكرر ذكر الروح في الحديث كما تكرر في القرآن ووردت فيه على معانٍ الغالب منها أن المراد بالروح الذي يقوم به الجسد وتكون به الحياة وقد أطلق على القرآن والوحي والرحمة وعلى جبريل إلي آخر كلامه رحمه الله والروح سماوية علوية والجسد أرضي سفلي وعند موت الإنسان كل يتجه إلي أصله فالروح إلي السماء والجسد إلى الأرض ومن الناس من همته في الثرى ومنهم من همته في الثريا فمنهم من يسعى لحياة الروح ومنهم من يسعى لحياة الجسد وحياة الروح باتصالها بالسماء بالخوف والخشية والمراقبة والإخلاص لله عز وجل والروح والجسد لا غنى لأحدهما عن الآخر إلا إذا أصبح الجسد لا هم له إلا شهوته وهواه وفيه قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ"تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتفش"

ومن الناس من نسي روحه وغفل عنها وعن حقوقها فَعَبَّدَها لجسده وشهواته فأصبحت حياته همومًا وغمومًا وأكدارًا وأحزانًا، ليس له هم إلا أن يرضى هواه مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها وأطيب ما فيها حلاوة الإيمان ولذة الطاعة فالإنسان جسد وروح وشهوة وعقل والجسد تتبع له الشهوة والروح يتبع لها العقل والصراع دائم بين الفريقين الجسد والشهوة معًا والروح والعقل معًا ومتى شبع البطن تحركت الشهوة وإذا خلا البطن هدأ الجسد وانطلقت الروح تنمو وتنشط ففي الصيام حلاوة لا يدركها إلا من صام من أجل الله بصدق في الصيام حلاوة لا يدركها إلا من صام من أجل الله بصدق ولا يعرفها إلا الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم وهذه هي الروحانية العجيبة التي نحياها في رمضان روحانية صائم بذرها بالجوع وسقاها بالدموع وقواها بالركوع لتنبت الخشوع والخضوع روحانية صائم فيها السعادة واللذة والأفراح والأشواق فيها ما لا يبثه لسان ولا يصفه بيان .

روحانية صائم فيها الأرواح تهتز وترتاح وتطير بغير جناح فهي في أفراح وأفراح ، روحانية صائم فيها من الحرير لجنات النعيم ما تورمت له أقدام المتهجدين وبذر له الثمين وسمع الأنين ، روحانية صائم لا يعرفها العاشقون ولا المتصوفة الواجدون بل هي والله حكر على المحقين الصادقين والمخلصين العارفين ، روحانية صائم تخلصت من أسر الهوى والشهوة وحيل النفس والشيطان ، باختصار روحانية صائم عاش في جنة الدنيا ، وفي الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت