فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومن الناس من نسى روحه، وغفل عنها وعن حقوقها، فعبَّدها لجسده وشهواته؛ فأصبحت حياته همومًا وغموما، وأكدارًا وأحزانا، ليس له هم إلا أن يرضى هواه.
مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، وأطيب ما فيها حلاوة الإيمان ولذة الطاعة، فالإنسان جسد وروح وشهوة وعقل، والجسد تتبع له شهوة، والروح تتبع لها العقل، والصراع دائم بين الفريقين؛ الجسد والشهوة معًا، والروح والعقل معًا، ومتى شبع البطن تحركت الشهوة، وإذا خلا البطن؛ هدأت الشهوة وانطلقت الروح تنمو وتنشط، ففي الصيام حلاوة لا يدركها إلا من صام من أجل الله بصدق، ولا يعرفها إلا الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم.وهذه هي الروحانية العجيبة:
روحانية صائم: بذرها بالجوع وسقاها بالدموع، وقواها بالركوع وحسنها الخشوع والخضوع.
روحانية صائم: فيها السعادة واللذة والأفراح والأشواق ما لا يبثه لسان ولا يصفه بيان.
روحانية صائم: فيها الأرواح تهتز وترتاح، وتطير بغير جناح، فهي في أفراح وأفراح.
روحانية صائم: فيها من الحنين لجنات النعيم ما تورمت له أقدام المتهجدين، وبذل له الثمين، وسُمع له الأنين.
روحانية صائم: لا يعرفها العاشقون، ولا المتصوفة الواجدون، بل هي والله حكر على المحبين الصادقين والمخلصين العارفين.
روحانية صائم: تخلصت من أسر الهوى والشهوة وحيل النفس والشيطان.
روحانية صائم: عاش في جنة الدنيا، وفى الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة، ولكن كم بين خلى وسجيا وواجد وفاقد وكاتم ومبد.
أفراح الروح:
هذه أفراح الروح عند انتصارها؛ وفك أسرها من شهوات الجسد، ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: 'فاللروح المطلقة من أسر الهوى، من أسر البدن وعلائقه وعوائقه من التصرف والقوة والنفاذ والهمة وسرعة الصعود إلى الله والتعلق بالله ما ليس للروح المهينة المحبوسة في علائق البدن وعوائقه' انتهى كلامه رحمه الله.
روحانية لاتوصف:
هذه الروحانية لا نعرف كنهها، ولا نستطيع وصفها، حتى من ذاق طعمها وعرف حلاوتها من أولئك الأفذاذ ما استطاعوا وصفها ولا التعبير عن وجدها إلا بألفاظ عامة، لم تفصح عن حقيقة الشعور، واسمع لبعضهم يقول:
'إنه ليمر بالقلب لحظات أقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي نعيم'.
وآخر يقول: 'أنا جنتي وبستاني في صدري فماذا يفعل أعدائي بي، سجني خلوة، ونفى سياحة، وقتلى في سبيل الله شهادة'.
وهذا ثالث لم يجد ما يعبر به عن السعادة واللذة التي يحبها إلا بقوله: 'إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة' .
إنها حلاوة الإيمان وطعم الصلة بالله، إنها أفراح الروح لا تنقل بالكلمات، إنما تسرى في القلب فيستروحها ويهش لها ويندى بها .
كيف السبيل لهذا النعيم ؟
أما الكيفية: فصم وقم كما كان يصوم ويقوم قدوتنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [31] 'سورة آل عمران' .
لماذا نصوم ؟
سؤال مهم يجب أن يسأله المسلم نفسه، وحتى لا يتحول هذا الشهر من عبادة لها أهداف ومقاصد عظيمة إلي عادة ثقيلة، كان لابد من الإجابة عن هذا السؤال، فكثير من الناس يصومون، ولكن قليل أولئك الذين يعرفون لماذا يصومون.. هذا هو الفرق بين العادة والعبادة .
لماذا نصوم ؟ يحدد لك الهدف والغاية التي من أجلها فرض صوم رمضان. ووضوح الهدف في أي عمل تقوم به يسهل عليك ذلك العمل، ويدفعك للاجتهاد والمجاهدة للوصول إلي هدفك.
لماذا تمسك عن الطعام والشراب والجماع أكثر من نصف يوم ؟ تجوع وتعطش.. لماذا؟ تسهر وتتعب.. لماذا؟ أصناف الطعام بين يديك والماء البارد بين عينيك فلا تمد يدك إليه.. لماذا؟ ماذا تريد من كل هذا؟ ما هو الهدف؟ إلى أي شئ تريد أن تصل؟ ربما حدثتك نفسك فقالت: لماذا أمرنا الله بالصيام؟ ولماذا فرض علينا شهر رمضان؟
حاشا لله عز وجل أن يكون المراد تجويعنا وتعطيشنا وإتعابنا وهو أرحم الراحمين، وهو أرحم من الأم بولدها، بل إن الله قال في آخر آيات الصيام: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [185] 'سورة البقرة' .
وربما تقول أيها الحبيب: إننا نصوم رمضان؛ لأن الله أمرنا بصيامه، فتجب الطاعة والاستجابة لله بما أمر؛ فنقول؛ نعم إن الاستجابة لله ورسوله أمر واجب على كل مسلم ومسلمة، ولو لم تتبين لنا الثمرة والحكمة من هذا الأمر، فنحن أسلمنا واستسلمنا لله؛ فيجب علينا طاعة الله، فإن الخير كل الخير فيما أمر الله ورسوله به.
الهدف من الصوم: لكن هناك ثمرة وغاية عظيمة بينها الله عز وجل من شهر الصيام بقوله:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [183] 'سورة البقرة' .
إذا فالغاية الأولى والهدف الأسمى من صيام رمضان:
هو إعداد القلوب للتقوى ومراقبة الله .
إعداد القلوب لخشية الله.