فهرس الكتاب

الصفحة 16561 من 27345

والخامس: إن صلتي بأهل المرأة لم يجاوز إلى الآن، بعد مرور قرن من الزمان، الصلة الرسمية، الود والاحترام المتبادل، وزيارة الغب، ولم أجد من أهلها من يجد الأزواج من الأحماء من التدخل في شؤونهم، وفرض الرأي عليهم، ولقد كنا نرضى ونسخط كما يرضى كل زوجين ويسخطان، فما تدخل أحد منهم يومًا في رضانا ولا سخطنا ولقد نظرت إلى اليوم في أكثر من عشرين ألف قضية خلاف زوجي، وصارت لي خبرة أستطيع أن أؤكد القول معها بأنه لو ترك الزوجان المختلفان، ولم يدخل بينهما أحد من الأهل ولا من أولاد الحلال، لانتهت بالمصالحة ثلاثة أرباع قضايا الزواج.

والسادس: أننا لم نجعل بداية أيامنا عسلًا كما يصنع أكثر الأزواج، ثم يكون باقي العمر حنظلًا مرًا وسمًا زعافًا، بل أريتها من أول يوم أسوأ ما عندي، حتى إذا قبلت مضطرة به، وصبرت محتسبة عليه، عدت أريها من حسن خلقي، فصرنا كلما زادت حياتنا الزوجية يومًا زادت سعادتنا قيراطًا.

والسابع: أنها لم تدخل جهازًا وقد اشترطت هذا، لأني رأيت أن الجهاز من أوسع أبواب الخلاف بين الأزواج، فإما أن يستعمله الرجل ويستأثر به فيذوب قلبها خوفًا عليه، أو أن يسرقه ويخفيه، أو أن تأخذه بحجز احتياطي في دعوى صورية فتثير بذلك الرجل.

والثامن: أني تركت ما لقيصر لقيصر، فلم أدخل في شؤونها من ترتيب الدار وتربية الأولاد، وتركت هي لي ما هو لي، من الإشراف والتوجيه، وكثيرًا ما يكون سبب الخلاف لبس المرأة عمامة الزوج وأخذها مكانه، أو لبسه هو صدار المرأة ومشاركتها الرأي في طريقة كنس الدار، وأسلوب تقطيع الباذنجان، ونمط تفصيل الثوب.

والتاسع: أني لا أكتمها أمرًا ولا تكتمني، ولا أكذب عليها ولا تكذبني، أخبرها بحقيقة وضعي المالي، وآخذها إلى كل مكان أذهب إليه أو أخبرها به، وتخبرني بكل مكان تذهب هي إليه، وتعود أولادنا الصدق والصراحة، واستنكار الكذب والاشمئزاز منه، ولست والله أطلب من الإخلاص والعقل والتدبير أكثر مما أجده عندها: فهي من النساء الشرقيات اللائي يعشن للبيت لا لأنفسهن، للرجل والأولاد، تجوع لنأكل نحن، وتسهر لننام، وتتعب لنستريح، وتفنى لنبقى، هي أول أهل الدار قيامًا، وآخرهم منامًا، لا تنثني تنظف وتخيط وتسعى وتدبر، همها إراحتي وإسعادي. إن كنت أكتب، أو كنت نائمًا أسكتت الأولاد، وسكنت الدار، وأبعدت عني كل منغص أو مزعج. تحب من أحب، وتعادي من أعادي، وإن كان حرص النساء على إرضاء الناس فقد كان حرصها على إرضائي، وإن كان مناهن حلية أو كسوة فإن أكبر مناها أن تكون لنا دار نملكها نستغني بها عن بيوت الكراء.

تحب أهلي، ولا تفتأ تنقل إلي كل خير عنهم، إن قصرت في بر أحد منهم دفعتني، وإن نسيت ذكرتني، حتى إني لأشتهي يومًا أن يكون بينها وبين أختي خلاف كالذي يكون في بيوت الناس، أتسلى به، فلا أجد إلا الود والحب، والإخلاص من الثنتين، والوفاء من الجانبين!!

إنها النموذج الكامل للمرأة الشرقية، التي لا تعرف في دنياها إلا زوجها وبيتها، والتي يزهد بعض الشباب فيها، فيذهبون إلى أوربة أو أميركة ليجيئوا بالعلم فلا يجيئون إلا بورقة في اليد، وامرأة تحت الإبط، امرأة يحملونها يقطعون بها نصف محيط الأرض أو ثلثه أو ربعه، ثم لا يكون لها من الجمال، ولا من الشرف ولا من الإخلاص ما يجعلها تصلح خادمة للمرأة الشرقية، ولكنه فساد الأذواق وفقد العقول، واستشعار الصغار وتقليد الضعيف للقوي. يحسب أحدهم أنه إن تزوج امرأة من أمريكا أو أي امرأة عاملة في شباك السينما، أو في مكتب الفندق، فقد صاهر طرمان، وملك ناطحات السحاب، وصارت له القنبلة الذرية، ونقش اسمه على تمثال الحرية!!

إن نساءنا خير نساء الأرض، وأوفاهن لزوج، وأحناهن على ولد، وأشرفهن نفسًا، وأطهرهن ذيلًا، وأكثرهن طالعة امتثالًا وقبولًا، لكل نصحٍ نافع وتوجيه سديد.

وإني ما ذكرت بعض الحق في مزايا زوجتي إلا لأضرب المثل من نفسي على السعادة التي يلقاها زوج المرأة العربية (وكدت أقول الشامية المسلمة) لعل الله يلهم أحدًا من العزاب القراء العزم على الزواج فيكون الله قد هدى بي، بعد أن هداني..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت