و قد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم في الصحيح أنه قال: ( إذا أذن المؤذن بالصلاة أدبر الشيطان و له ضراط ، حتى لا يسمع التأذين ، فإذا قضى التأذين أقبل ، فإذا ثوب بالصلاة أدبر ، فإذا قضى التثويب أقبل ، حتى يخطر بين المرء و نفسه ، يقول: اذكر كذا اذكر كذا ، ما لم يكن يذكر ، حتى يظل لا يدري كم صلى ، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين و هو جالس ) . قالوا: فأمره النبي في هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان فيها ، حتى لم يدر كم صلى بأن يسجد سجدتي السهو ، و لم يأمره بإعادتها ، و لو كانت باطلة - كما زعمتم - لأمره بإعادتها .
قالوا: و هذا هو السر في سجدتي السهو ، ترغيما للشيطان في وسوسته للعبد ، و كونه حال بينه و بين الحضور في الصلاة ، و لهذا سماها النبي المرغمتين . مدارج السالكين 1/528-530
فإن أردتم وجوب الإعادة: لتحصل هذه الثمرات و الفوائد فذاك كله إليه إن شاء أن يحصلها و إن شاء أن يفوتها على نفسه .
و إن أردتم بوجوبها أنا نلزمه بها و نعاقبه على تركها و نرتب عليه أحكام تارك الصلاة فلا.
و هذا هو أرجح القولين . و الله أعلم .
خاتمة
أمر الخشوع كبير ، وشأنه خطير ، ولا يتأتى إلا لمن وفقه الله لذلك ، وحرمان الخشوع مصيبة كبيرة وخطب جلل ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: ( اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع .. ) رواه الترمذي 5/ 485 رقم 3482 وهو في صحيح سنن الترمذي 2769
والخاشعون درجات ، والخشوع من عمل القلب يزيد وينقص فمنهم من يبلغ خشوعه عنان السماء ومن يخرج من صلاته لم يعقل شيئا ،"والناس في الصلاة على مراتب خمسة:"
أحدها: مرتبة الظالم لنفسه المفرط ، وهو الذي انتقص من وضوئها ومواقيتها وحدودها وأركانها. الثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها ، لكنه قد ضيّع مجاهدة نفسه في الوسوسة ، فذهب مع الوساوس والأفكار .
الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار ، فهو مشغول بمجهادة عدوه لئلا يسرق صلاته ، فهو في صلاة وجهاد .
الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها ، واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها لئلا يضيع شيئا منها ، بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي وإكمالها وإتمامها ، قد استغرق قلبه شأن الصلاة وعبودية ربه تبارك وتعالى فيها .
الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك ، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه عز وجل ، ناظرا بقلبه إليه ، مراقبا له ، ممتلئا من محبته وعظمته ، كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطرات ، وارتفعت حجبها بينه وبين ربه ، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أعظم مما بين السماء والأرض ، وهذا في صلاته مشغول بربه عز وجل قرير العين به .
فالقسم الأول معاقب ، والثاني محاسب ، والثالث مكفّر عنه ، والرابع مثاب ، والخامس مقرّب من ربّه ، لأن له نصيبا ممن جُعلت قرّة عينه في الصلاة ، فمن قرّت عينه بصلاته في الدنيا، قرّت عينه بقربه من ربّه عز وجل في الآخرة ، وقرّت عينه أيضا به في الدنيا ، ومن قرت عينه بالله قرّت به كل عين ، ومن لم تقرّ عينه بالله تعالى تقطعّت نفسه على الدنيا حسرات"الوابل الصيب ص: 40"
وختاما أسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الخاشعين وأن يتوب علينا أجمعين وأن يجزي بالخير من ساهم في هذه الرسالة وأن ينفع من قرأ فيها آمين ، والحمد لله رب العالمين .