وهذا التفريق بين عمومية الحضارة وخصوصية الثقافة لا يقتصر على الوضع الحضاري السائد الآن فحسب، بل ينسحب على كل وضع حضاري آخر، فإن هناك مثلًا، فارقًا كبيرًا بين الحضارة الإسلامية في أسسها المجردة وقيمها المطلقة، كما وردت في القرآن الكريم والسنة المشرفة، وبين الأثر الذي تخلّف عن هذه الحضارة في شخصيات الشعوب والجماعات التي ارتبطت حياتها بالإٍسلام. فهناك دائمًا النظام الإسلامي الحضاري كنموذج ومثال، وهناك إلى جانبه النظام الإسلامي كواقع وتاريخ. والإٍسلام التاريخي، كما يتمثل في حياة الشعوب الكثيرة التي اعتنقت الإسلام، يختلف في جزئياته وتفاصيله عن النموذج والمثال، رغم كل الجهود المبذولة لتطبيق النموذج على واقع الحياة تطبيقًا دقيقًا. وذلك ناجم عن أن لكل مجموعة من البشر، في بيئة بعينها، ظروفها التاريخية والجغرافية والبشرية والحضارية التي تتحكم في عملية الرفض والاختيار، وتنتهي بتحوير التيار الحضاري الوافد، أو تغييره بحيث ينسجم انسجامًا عضويًا مع البيئة الأصلية للمجموعة. ولهذا السبب نجد الإسلام الشعبي في بيئاته المختلفة يتلون بلون الموروثات المحلية، وكثيرًا ما نجد رواسب الماضي السحيق من طقوس وعادات وممارسات تختلط بالأفكار والأعراف الإسلامية على مستوى الممارسة الشعبية، كما هو ملاحظ في كل أنحاء العالم الإسلامي. وهذا الأمر لا يقف عند حدود المجموعات، بل يتعداها إلى الأفراد، فإن كل فرد من البشر يتمثل من الأفكار والقيم بالقدر الذي تهيئه له ظروفه البيئية والجسمية واستعداده العقلي والنفسي، وذلك يختلف الناس في تشربهم للمثل العليا والأفكار والاتجاهات، ومن ثم يختلفون في المسلك والتصرف. والأمر في ذلك على درجات وتفاوت. فإن ما يتشربه الناس من قيم الحضارة واتجاهاتها العامة، وهي في عنفوانها وتوقدها، يختلف كمًا وكيفًا عما يتطبع في نفوس الناس من آثارها وهي في مرحلة الجزر والتدهور والجمود. ولا يعني هذا أن الناس جميعهم يتساوون في مقدار هذا التمثل في أي من المرحلتين، بل يعني أن قدرًا صالحًا منهم هو الذي يفعل ذلك، مضفيًا على المرحلة المعنية سمة التوقد والإشراق؛ إن كان ذلك في قمة الحضارة، أو سمة الجمود والتقليد؛ إن كان ذلك في مرحلة التدهور والانحلال، وكلما قربت الصلة بين قيم الحضارة والأشكال المختلفة التي تعبر بها عن نفسها وبين حياة الناس المعاشة، بحيث، يتقارب القول والعمل، ويتجانس الإيمان مع المبادئ في المسلك الشخصي، كان ذلك علامة من علامات الحيوية والنشاط في أعماق الحضارة، وتتباعد هذه الصلة بالتدريج في أطوار التدهور حتى يبلغ الناس في نهاية المطاف درجة الانفصام والازدواجية، بحيث تكون قيم الحضارة وأشكالها ومبادئها العامة في جانب، وحياة الناس العامة وسلوكهم في جانب آخر، وعندما تكون روح الحضارة وقواها الدافعة في نفوس الناس وفي كيان المجتمع قد خمدت وانطفأت، ولا يبقى في وجودهم سوى الأشكال والهياكل الجوفاء التي تكون بلا معنى ولا غاية، إذ فقدت الروح التي تكسبها مدلولها ومعناها.