وإذا ما واظب هذا الإنسان على عاداته الاستهلاكية فسوف تنتصر القمامة في نهاية الأمر وفقًا لما يقوله المفوض العام السابق للشئون الصحية بولاية نيويورك ( يستطيع الناس التذمر من أفران حرق القمامة كما يحلو لهم ، بل إنهم يستطيعون أن يثيروا الجدل حولها ، أو يرسلوا شكواهم بشأنها للصحف ، لكن في النهاية يكون النصر للقمامة ) .
إن المشكلة ترجع إلى صميم التكوين النفسي ، ومن ثم الفكري ، والعقدي لإنسان هذه الحضارة الذي تم صياغته في نسيج حضارة زعمت أنها محايدة فيما يتعلق بالله ، فهي منفصلة عنه ، واتجهت إلى تأليه الإنسان ، وتأليه العلم ، ورفعت شعار السيطرة على الطبيعة ، منذ بدء عصر النهضة ، بدلًا من شعار"الانسجام"مع هذه الطبيعة ، ضمن منظومة العناية الإلهية التي يقررها الدين . إنه كما يقول آل جور: ( ما لم نعثر على طريقة نغير بها على نحو جذري حضارتنا وطريقتنا في التفكير فيما يتصل بالعلاقة بين الجنس البشري وكوكب الأرض فإن أولادنا سيرثون أرضًا خرابًا ) .
إنه كما جاء في مؤتمر"مرور ربع قرن على إنشاء المركز الإسلامي"في آخن بألمانيا في 17 مايو 1989 ووفقا لما ذكره مراد هوفمان في كتابه"الإسلام كبديل": ( فإن السبب الحقيقي لما آلت إليه البيئة من وضع متدهور وخيم العاقبة تجاوز حدود التحمل الطبيعي إنما هو اعتزاز الإنسان ــ غير المؤمن بوجود الله ــ اعتزازُه بجبروته ، حيث سولت له نفسه بأنه السيد المسيطر على الطبيعة والبيئة ، فاعتقد ذلك يقينًا ) (1) .
إننا نصل من ذلك إلى أن الصانع الرئيسي لكارثة الأرض المعاصرة ، هو مشروع الحضارة الغربية الذي قام بتصميمه المهندسون"المحايدون في العقيدة الإلهية"ولا يزالون يشرفون على مساره ويدفعون خطواته حتى الخطوة الأخيرة ، في أعماق الهاوية ، ولن يتراجعوا لأنهم اجتازوا نفسيًا وتاريخيًا نقطة الرجوع )
إن نقطة البدء في الحل لن تكون بمزيد من الارتباط بمنطلقات هذه الحضارة ( السيطرة ــ الاستهلاك ــ العلم وحده ) . ذلك لأن الكارثة إنما تقبل علينا من واقع تقدم هذه الحضارة ، فهل يمكن لهذه الحضارة أن تقدم الحل ؟ إذن لا تكون هذه الحضارة هي نفسها ، إن الحل لا يتصور مجيئه من هذه الحضارة بتركيبتها التي بدأت وآلتها التي انطلقت منذ عصر النهضة لأنها إنما قامت على استبعاد الدين .
يقول هارولد لاسكى المفكر السياسي الشهير: ( إن منهج الغرب في الحياة قد وضع في بوتقة الانصهار وصارت العلوم ــ سواء علوم الطبيعة أو علوم الحياة ــ جزءا من رد الفعل شبه التلقائي ، وتفتقر إلى الهدف ، فهي لا تقدم لنا شيئًا غير تلك القيم التي تشيع الفوضى ، وفي مقدور هذه العلوم أن تتيح شيئًا من الرفاهية المادية ، ولكن يبدو أنها عاجزة عن اكتشاف مبادئ الرضا الروحي ) .
إن كثيرًا من فلاسفة العلم المعاصر يتحدثون كما يقول تشارلز فرانكل في كتابه"أزمة الإنسان الحديث"ص 152-153 عن ( التقدم الفكري والعلمي ــ وهو أكبر مفخرة لما أتاه الإنسان الحديث ــ على أنه مجرد أحبولة وخداع ) . ونحن نقول: العيب ليس في العلم ولكن في وضعه بعيدًا عن الله .
ونحن نتساءل - وهذا بيت القصيد -: هل هناك أمل في أن تقوم حضارة بُنيت على مبادئ ثابتة ظلت تعمل وفقًا لآليتها مدة قرون أن تقوم بدور في تغيير جلدها ؟ مرة أخرى إنه لابد لهذه الحضارة كما يقول شفايتزر أيضًا من أن تقوم بالتغيير لا عن طريق الوعظ .. ولكن لابد من أن تنشأ العقلية الإيجابية الأخلاقية التي تنبع من نظرة عقدية تشمل الكون والحياة ، ثم يقول بما يشبه اليأس ( هذا هو المصير الذي انتهينا إليه: لقد فقدنا كل نظرية في الكون ) ص 6 .
و يحلل أرنولد توينبى المشكلة فيرجعها إلى غفلة الإنسان عن تكوينه المزدوج بين المادة والروح ، فيقول: ( إذا فقد الكائن البشرى روحه فإنه يفقد إنسانيته ، وذلك بأن جوهر الكيان البشرى هو إدراك لوجود روحي خلف المظاهر الطبيعية .. ) . وبسبب أنه يعيش في وقت واحد في المحيط الحيوي وفي العالم الروحي فهو كما وصفه السير توماس براون بدقة: حيوان برمائى ! وفي كل من الوضعين حيث يشعر أنه منسجم مع الوضع يكون له غاية خاصة ، ولكنه لن يتمكن من متابعة كل من الغايتين ، أو أن يخدم كلا من السيدين بإخلاص تام .... فأى البديلين يختار ..؟ ) .ثم يقول ( وفي عصرنا فقط أصبح الاختيار أمرًا لا مفر منه للبشرية ككل . ) تاريخ البشرية ج 1 ص 31 . وهذا بالضرورة يشير إلى ضرورة تحديد موقف الإنسان من الحياة الدنيا والآخرة تحديدا صحيحا . وهذا ما لا تملكه الحضارة الغربية المعاصرة التي لا تنفعها"إعادة تأهيل"، وساءت سمعتها فهي لا يجديها"رد شرف"، وبخست عملتها البالونية فهي لا ينفعها عند الخبراء"تسويق"، وقبح وجهها المتفسخ إلى حد لا يصلح معه"شمع التجميل"،