وهذا وعد غير مكذوب.. ولا ينبغي أن يتطرق إلينا الشك بوعد الله ونحن نرى واقع المسلمين المؤلم غير منصورين عليهم، ذلك أنهم لم يحققوا الإيمان المطلوب منهم وما يستلزمه من صفات وأفعال غير متحققة فيهم، وبالتالي لا ينطبق عليهم الشرط ولا يستحقون نصر الله الذي وعد به المؤمنين، وما أحرى المسلمين اليوم وهم يمرون بظروف صعبة وحرجة أن يراجعوا أنفسهم ويعرضوا أحولهم وأفعالهم وما هم عليه على كتاب الله وسنة رسوله ليعرفوا الخلل الذي هم فيه، والنقص الموجود فيهم، فيقوموا بالتصحيح والتقويم وتدارك ما فاتهم وتحقيق معاني الإيمان في نفوسهم حتى يستحقوا الدخول في مضمون قول الله تعالى: ? وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ? [ الروم: 47] .
ـ من عوامل النصر تقوى الله تعالى كما قال تعالى مخبرًا عن نبيه موسى عليه السلام أنه قال لقومه المستضعفين المضطهدين من قبل فرعون وجنده: ? قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ? [ الأعراف:128] , وقال تعالى: ? وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ? [ آل عمران: 120] .
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أوصى سعد بن أبي وقاص وجنده في حرب العراق وفتوحات فارس قال: فإني آمرك ومن معك من أجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد أحتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم. وإنما ينتصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم يكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا، لم نغلبهم بقوتنا. واعلموا أنه عليكم في مسيركم حفظة من الله، ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا وإن أسأنا، فرب قوم قد سلط عليهم كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفار المجوس، فجاسوا خلال الديار وكان وعد الله مفعولًا، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألون النصر على عدوكم اسأل الله ذلك لنا ولكم.
ومن عوامل نصر الله لعباده كونهم ينصرون دين الله عز وجل كما قال تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ? [ محمد:7] وقال ?وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ? [ الحج: 40]
والمراد نصرة دين الله وشريعته، ونصرة حزبه وأوليائه ولا شك أن انضمام جهود المؤمنين بعضهم إلى بعض لإقامة شرع الله وإعلاء كلمته، بالتعاون والتناصر فيما بينهم على هذا المقصد العظيم، تتحقق منهم النصرة لدين الله وبهذا يتحقق فيهم ما شرط الله عليهم لينالوا ما وعدهم الله به من نصرة، وكلما كانوا أكثر تعاونًا وولاءً وأصدق جهادًا في سبيل نصرة دين الله كان نصر الله أعظم وأكبر وأسرع إليهم مما يتصورون ? إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ? [ المائدة:55ـ56] .
أما بعد ..
فإن وحدة الأمة واعتصامها بدينها وابتعادها عن عوامل الفرقة والاختلاف، والتنازع والصراع من أهم أسباب قوتها وانتصارها على أعدائها، وهذا ما أمر الله به عباده وأوصاهم به وحذرهم من الفرقة والتنازع غاية التحذير فقال سبحانه: ?وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ? [ آل عمران: 103] , وقال: ?وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ? [ الأنفال: 46] , وقال: ? وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ? [ الروم: 31ـ32] .
وقال: ? إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ? [ الأنعام:159] .
وقال: ? شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ? [ الشورى:13] .