فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وقوله:"وليس بينها وبين الله حجاب"أي ليس لها صارف يصرفها ولا مانع ، والمراد أنها مقبولة وإن كان عاصيًا كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعًا:"دعوة الظالم مستجابة وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه".
ومما يكمل الاستدلال بهذا الحديث النبوي الشريف أن نقول: إن المظلوم يدعو عادة على ظالمه لينتقم الله منه في الدنيا ليشفي ما في صدره من غيظ على ظالمه ، وحيث إن دعوة المظلوم مستجابة ، فإجابته - إذا شاء الله - تكون بمعاقبة الظالم بالدنيا.
استدراك وتوضيح:
ولكن ما قلناه من أن الغالب في الظالم معاقبته في الدنيا على ظلمه ، لا يعني كما هو واضح من قولنا: إن الغالب في الظلم ألخ - إن كل ظالم يناله العقاب على ظلمه في الدنيا حتمًا , وفورًا أو عاجلًا ؛لأن من سنة الله أيضًا إمهال الظالم ولكن دون إهماله , وقد يكون في عدم تعجيل عقوبته في الدنيا لحكمة يعلمها الله , ولا نعلمها مثل استدراجه ، أو لكون المظلوم قد ظلم غيره وما حل فيه من ظلم هو جزاء ظلمه لغيره ، أو لعلم الله بصلاح هذا الظالم مستقبلًا , وتوبته توبة نصوحًا , وتحلله من ظلمه ، أو لغير ذلك من موانع تعجيل العقوبة على الظالم , فنحن لا نحيط بكل جوانب حكمة الله , ومفردات سنته من عباده ، وإنما نستطيع القول بأن الظلم جدير بأن يعجل العقاب على مرتكبه كما جاء في الحديث الذي ذكرناه ، وإن المظلوم مستجاب الدعوة , وهو في الغالب يدعو على ظالمه بالانتقام العاجل ، فيكون ذلك كله من أسباب تعجيل العقوبة على الظالم , ولكن يبقى وراء الأسباب حكمة الله ومشيئته النافذة في العباد.
من عقاب الظالم تسليط ظالم عليه:
من سنة الله تعالى في الظلم والظالمين أن الرعية الظالمة أي التي يتظالم أفرداها فيما بينهم يُولى عليها حاكم ظالم , يكون تسلطه عليهم من العقاب لهم على ظلمهم , قال تعالى:"وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا بما كانوا يكسبون".
وجاء في تفسيرها: نسلط بعض الظلمة على بعض فيهلكه ويذله. وهذا تهديد للظالم إن لم يمتنع من ظلمه سلط الله عليه ظالمًا آخر.
ويدخل في الآية جميع من يظلم نفسه أو يظلم الرعية , أو التاجر يظلم الناس في تجارته. وقال الإمام الرازي في تفسير هذه الآية:"الآية تدل على أن الرعية متى كانوا ظالمين فالله تعالى يسلط عليهم ظالمًا مثلهم ، فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم"وقال الآلوسي في تفسير هذه الآية:"وقد استدل بالآية على أن الرعية إذا كانوا ظالمين , فإن الله تعالى يسلط عليهم ظالمًا مثلهم ، وفي الحديث:"كما تكونوا يولى عليكم"."
لا يفلح الظالمون:
ومن سنته تعالى في الظلم والظالمين أنهم لا يفلحون ولا يفوزون في الدنيا كما لا يفلحون ولا يفوزون في الآخرة قال تعالى:"قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون"، وهذا خطاب من الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول للمصرين على كفرهم ما هو مذكور في الآية ، وهو تهديد شديد ووعيد أكيد ، أي استمروا في طريقتكم وناحيتكم , إن كنتم تظنون أنكم على هدى , فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي , فسوف تعلمون بعد حين من تكون له العاقبة الحسنى في هذه الدار ، وهي لا تكون إلا لرسوله صلى الله عليه وسلم وأتباعه المؤمنين , كما وعد الله تعالى , ووقع ما وعد الله , فنصر رسوله صلى الله عليه وسلم على الكافرين .
وأشار إلى السبب في هذه العاقبة الحسنى لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين , وهذا السبب هو أن مخالفيهم ظالمون ، وأن سنته تعالى:"إنه لا يفلح الظالمون"وإنما وضع الظلم موضع الكفر لأنه أعم منه , وهو أكثر فائدة لأنه إذا لم يفلح الظالم فكيف يفلح الكافر المتصف بأعظم أفراد الظلم ؟
والظالمون الذين لا يفلحون يشمل الظالمين لأنفسهم بالكفر بنعم الله أو باتخاذ الشركاء له في ألوهيته , كما يشمل الظالمين للناس في حقوقهم , فالسنة لا تتخلف وهي أن الظالمين لا يفلحون فلا ينتصرون ولا يظفرون بمطلوبهم.
وإذا كان الفلاح منتفيًا عن الظالمين بموجب شرعه انحصر الفلاح والفوز في أهل الحق والعدل , هؤلاء هم رسل الله وأتباعهم المؤمنون كما قال تعالى:"إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد"وقوله تعالى:"ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون".
هلاك الأمة بظلمها:
من سنة الله في الظلم والظالمين هلاك الأمة بظلمها ، وفي بيان هذه السنة العامة آيات كثيرة في كتاب الله العزيز منها:"فقطع دابر القوم الذين ظلموا"، وقوله تعالى:"هل يهلك إلا القوم الظالمون"، وقوله تعالى:"ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا".