فهرس الكتاب

الصفحة 16782 من 27345

وهنا تظهر إشكالية إنحراف السوق عن وظيفتها ومسارها وكيف أنها أضافت إلى وظيفتها الأساسية التي قامت من أجلها ودعت الحاجة والضرورة إلى وجودها وظائف جديدة ما كان لها أن تقوم بها لولا الرغبة المحمومة في الثراء السريع بأي طريق فتحول كثير من هذه الأسواق إلى ما يشبه أندية القمار. وليس أدل على ذلك من تخصيص بعض ردهات عددٍ من البورصات للمراهنة على تقلبات واتجاهات الأسعار. وأصبح أكثر من يتعامل فيها غرضه هو المضاربة على فروق الأسعار وليس الاستثمار النافع فأصبح الهدف من المساهمة هو مجرد رغبة في جني الأرباح السريعة من خلال المضاربة على فروق الأسعار وليس الاعتراض هنا على كون المضارب ( أو المساهم ) يسعى للحصول على الربح فهي غاية مشروعة. ولكن لا بد من أن تكون الوسيلة كذلك مشروعة أما إذا كانت الوسيلة مبنية على محرمات وشبهات فإن الغاية لا تبرر الوسيلة. ومن ثم فإن هذا المساهم ( المضارب ) ليس في الحقيقة إلا مجرد دائن عادي للشركة بل هو دائن عابر والسهم المشترى أو المباع في حقه ما هو إلا صورة شكلية تنتقل بين أيدي المضاربين كلعب القمار وهذا النوع من المضاربين أوالمساهمين ( وهم الأكثر عددًا ) يتسببون بطريقتهم هذه في مشاكل اقتصادية بدءًا من التضخم وإنتهاءً بانصراف الناس عن المشاريع الإنتاجية الفاعلة في الاقتصاد ركضًا وراء الأرباح التي يجنيها لهم المضاربون والسماسرة إضافة إلى تراكم المدخرات النقدية في أيدي قلة من الناس ولدى البنوك التي تضطر إلى استثمار هذه الأموال غالبًا في الغرب لعدم وجود قنوات استثمارية جيدة في ظل وجود فجوة كبيرة بين المقدرة الاستيعابية للهياكل الاقتصادية والأصول المادية للاقتصاد من جهة وبين المقدرة التمويلية والتي تتمثل في مدخرات الأفراد المتزايدة. وتتضاعف هذه المشاكل في الدول التي تكون فيها السوق المالية ناشئة وضيقة وغير منظمة وليس عليها رقابة فاعلة ذات خبرة جيدة تتحاشى السلبيات وتهتم بالإيجابيات ويمكن أن نخلص مما سبق إلى النقاط الآتية:-

سوق الأوراق المالية نموذج غربي يشتمل على مجموعة من المصالح والمفاسد من وجهة نظر الشريعة الإسلامية فالأصل فيه المنع حتى يتم التأكد من خلوه مما فيه من المحرمات فلا بد من ضبطه بالضوابط الشرعية ومن ثم يمكن الإستفادة منه وتوجيهه الوجهة الاقتصادية السليمة بما يتوافق مع شريعتنا الإسلامية .

الفقهاء رحمهم الله بينهم خلاف أصلًا في جواز بيع الغائب وهي الصفة التي يتصف بها البيع في هذه السوق ولذلك فإن جواز إنتقال وبيع الحقوق داخل سوق الأسهم هو من باب المصلحة الراجحة في أهمية هذه الأسواق وإلا فإن هناك إشكالات فقهية من حيث إن هذه السوق تشتمل على بيع غائب وأنها بيع حقوق والحاجة والمصلحة كما يقول الفقهاء رحمهم الله تقدر بقدرها وتضبط بضوابطها لتتحقق المصلحة التي من أجلها احتمل بعض ما فيها من إشكالات ولئلا يفتح الباب على مصراعيه فتنقلب المصالح إلى مفاسد ويتحقق ضرر عام لا يدركه إلا أهل الخبرة المتخصصين في هذا الشأن.

محل العقد في أسواق الأوراق المالية ( الأسهم وغيرها ) على اختلاف درجات كفاءاتها يشوبها غرر فاحش فالبيانات المنشورة لا ترفع عنه الغرر الفاحش ولا تدرء عنه الخطر وليس باستطاعة أحد أن يزعم تطابق العلم بالصفة مع العلم بالحس في هذه البيوع، إذ الغرر فيها غرر مؤثر لا تدعوا إليه حاجة، فالحاجة كما عرفها السيوطي رحمه الله: هي أن يصل المرء إلى حالة بحيث لو لم يتناول الممنوع يكون في جهد ومشقة ولكنه لا يهلك. أي أنه يؤدي إلى فوات مصلحة من المصالح المعتبرة شرعًا، وكذلك لا بد أن تكون الحاجة التي تجعل الغرر غير مؤثر متعينة، فلا يمكن الوصول إليها من طريق آخر لا غرر فيه ومن ثم فلا بد أن تقدر الحاجة بقدرها، إذ إن ما جاز للحاجة يقتصر فيه على ما يزيل الحاجة فقط. فيكف وقد انقلبت المصالح المرجوة في هذه الأسواق إلى مفاسد ظاهرة أشبه ما تكون بمنتديات القمار المبنية على الحظ والغرر والغش والاحتيال، علمًا بأنه يمكن تنظيمها وضبطها وفق الضوابط الشرعية بما يمنع ذلك الغرر الفاحش. فالتعامل في هذه الأسواق على حالتها الراهنة محفوف بالمخاطر والأضرار المستقبلية خاصة مع اشتداد سعار المضاربات وعوامل الانهيار وتقلبات الأسعار المصاحبة للدورات الاقتصادية وتدهور الأسعار مع أزمات الكساد وشيوع البطالة، فتنشيط التداول وسرعة دوران أوراق الشركات يتم عن طريق مجموعات المضاربة الكبار الذين يتحكمون في السوق ويعقدون اتفاقات خاصة مع بعض الشركات التي يرغبون في زيادة أسعار أسهمها وبالمقابل يكسرون أسعار أسهم شركات أخرى بما يملكون من سيطرة مالية احتكارية على السوق ولهذا فهم يتلاعبون بأسعار الأسهم كما يفعل لاعبو اليانصيب بما قد يؤدي هذا الأسلوب إلى أضرار اقتصادية لا تحمد عقباها على المستوى الكلي للمجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت