فهرس الكتاب

الصفحة 16798 من 27345

أوجب الإسلام رعاية الإمام (ولي الأمر) أو ما يطلق عليه في عصرنا (الدولة أو الحكومة) لجمهور الناس عامة وأصحاب الحاجة خاصة, وجعله مسؤولًا عن ذلك أمامهم ثم بين يدي الله تعالى ، قال جل جلاله -: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) النساء: 58, كما رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته, فالإمام راع مسؤول عن رعيته ..."رواه البخاري, ح/844.

وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم مسؤولية ولي الأمر تجاه الفقراء والمحتاجين وإعالتهم في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - فقال:"أنا أوْلى بالمؤمنين في كتاب الله, فأيكم ماَّ ترك دينًا وضيعة (عيالًا) فادعوني فأنا وليه"رواه مسلم, ح/3041.

أما الموارد التي يستعين بها ولي المر ( الدولة) في كفالة الفقراء وأصحاب الحاجات ورعايتهم فهي:

الزكاة: التي يجمعوها ولي الأمر ويأخذها من الأغنياء ليردها على الفقراء. قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) التوبة 103.

خُمس الغنائم: والغنائم: المال المأخوذ من الكفار بالقتال يؤخذ خمسه لبيت مال المسلمين, قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) الأنفال:41

الفيء: ما أخذه المسلمون من الكفار بغير قتال, فال تعالى (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) الحشر: 7

الخراج: ضريبة مالية على الأراضي المفتوحة عنوة وتركت بيد أهلها يزرعونها ويستغلونها.

الجزية: ما يؤخذ من الذمي بشروط محدودة مقابل الحماية والمنع.

العشور: ضريبة تجارية يخضع لها الذميون والمستأمَنون في أموالهم المعدة للتجارة التي تدخل وتنتقل في ديار الإسلام ويختلف مقدارها باختلاف التجارة والبلاد ومدة الإقامة والمعاملة بالمثل.

خمس الركاز: يقصد به ما وجد مدفونًا من كنوز الأرض في أرض موات أو طريق سابل وهو من ضرب الجاهلية, أما كان من ضرب الإسلام (علامات تدل على ذلك) فهو لقطة تجري عليها أحكامها.

غلة أراضي الدولة وعقاراتها.

الضوائع والودائع التي تعذر معرفة صاحبها.

التعزيرات المالية التي يحكم بها القضاء على مرتكبي المخالفات الشرعية.

ميراث من لا وارث له.

الضرائب: ويقصد بها ما تفرضه الدولة على الأغنياء في حالة عدم تحقيق الكفاية من الموارد السابقة الذكر, وقد ورد في الحديث الذي أخرجه الإمام الترمذي عن جماعة من الصاحبة:"إن في المال حقًا سوى الزكاة"رواه الترمذي, ح/595.

وهو ما يدل على إعطاء صلاحيات واسعة في جباية الأموال اللازمة من الموسرين في الحدود اللازمة للإصلاح ولتحقيق الكفاف لأصحاب الحاجات أو لمتطلبات البلاد الضرورية مثل الدفاع عن أهلها وردّ العدوان وفداء الأسرى وغيرها.

وقد نقل الدكتور عبد الكريم زيدان عن (المحلّى) ما قاله الفقهية المعروف ابن حزم:"وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكاة بهم, فيقام لهم مما يأكلون من القوت الذي لابد منه ، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة"انظر كتاب: أصول الدعوة, للدكتور عبد الكريم زيدان, ص 246

وتقل كذلك في الصفحة نفسها عن القرطبي في تفسيره:"واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها. قال مالك - رحمه الله -: يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم وهذا إجماع أيضًا".

وأخيرًا

فتلكم كانت النصوص التي تدل على أن الإسلام قد وضع الأدوية المتعددة لداء الفقر, وبيَّن الحلول المتنوعة لمعضلة الحاجة والحرمان, ولم يكن ذلك مجرد مبادئ نظرية يتم الحديث عنها بعيدًا عن صلاحيتها للواقع, بل إن المسلمين قد طبقوها وأقاموها في مجتمعاتهم فحصل ما تكلم عنه التاريخ بفخر واعتزاز, حتى إن تأريخ الأمة الإسلامية ليشرُف بذلك العهد الزاهي الذي لحق عهد الخلفاء الراشدين ونقصد به عهد خلافة الإمام العادل عمر بن عبد العزيز, ولنقرأ معًا ما رواه ابن كثير في البداية والنهاية فيقول:"كان منادي عمر ينادي كل يوم: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ حتى أغنى كلًا من هؤلاء"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت