3)"ولما كانت هناك جفوة أصيلة بين منهج الفلسفة ومنهج العقيدة، وبين أسلوب الفلسفة وأسلوب العقيدة، وبين الحقائق الإيمانية الإسلامية وتلك المحاولات الصغيرة المضطربة المفتعلة التي تتضمنها الفلسفات والمباحث اللاهوتية (البشرية!) ، فقد بدتْ (الفلسفة الإسلامية) - كما سميت - نشازًا في لحن العقيدة المتناسق، ونشأ من هذه المحاولات تخليطٌ كثير، شابَ صفاءَ التصور الإسلامي، وصغَّر مساحته، وأصابه بالسطحية. ذلك مع التعقيد والجفاف والتخليط ..، مما جعل تلك (الفلسفة الإسلامية) ومعها مباحث (علم الكلام) غريبة غربة كاملة على الإسلام، وحقيقته، ومنهجه، وأسلوبه".
4)"وأنا أعلم أن هذا الكلام سيقابل بالدهشة، - على الأقل - سواء من كثير من المشتغلين عندنا بما يسمى (الفلسفة الإسلامية) ، أو من المشتغلين بالمباحث الفلسفية بصفة عامة .. ولكني أقرره، وأنا على يقين جازم بأنَّ (التصور الإسلامي) لنْ يخلص من التشويه والانحراف والمسخ، إلا حين نُلقي عنه جملةً بكل ما أطلق عليه اسم (الفلسفة الإسلامية) ، وبكل مباحث (علم الكلام) ،وبكل ما ثار من الجدل بين الفرق الإسلامية المختلفة في شتى العصور أيضًا ! ثم نعود إلى القرآن الكريم، نستمدُ منه مباشرة (مقومات التصور الإسلامي) مع بيان (خصائصه) التي تفرده من بين سائر التصورات . ولا بأس من بعض الموازنات التي توضح هذه الخصائص مع التصورات الأخرى، أما مقومات هذا التصور فيجب أن تستقي من القرآن مباشرة، وتصاغ صياغةً مستقلة .. تمامًا".
5)"منهجنا إذن أنْ نستلهم القرآن الكريم مباشرة، وألا نواجهه بمقررات سابقة إطلاقًا، لا مقررات عقلية ولا مقررات شعورية من وراسب الثقافات التي لم نستقها من القرآن ذاته، نحاكم إليها نصوصه، أو نستلهم معاني تلك النصوص وفق تلك المقررات السابقة . لقد جاء النص القرآني - ابتداءً - ليُنشئ المقررات الصحيحة التي يريد الله أنْ تقوم عليها تصورات البشر، وأنْ تقوم عليها حياتهم، وأقلَّ ما يستحقه هذا التفضل من العلي الكبير، أنْ يتلقوها وقد فرَّغوا قلوبهم وعقولهم من كل غبشٍ دخيل، ليقوم تصورهم الجديد نظيفًا من كل رواسب الجاهليات - قديمها وحديثها على السواء - مستمدًا من تعليم الله وحده، لا من ظنون البشر، التي لا تغني من الحق شيئًا ."
ليست هناك إذن مقررات سابقة نحاكم إليه كتاب الله تعالى . إنما نحن نستمد مقرراتنا من هذا الكتاب ابتداءً، ونقيم على هذه المقررات تصوراتنا ومقرراتنا، وهذا - وحده - هو المنهج الصحيح"."
6)"ثم إننا لا نحول استعارة (القالب الفلسفي) في عرض حقائق (التصور الإسلامي) ، اقتناعًا منا بأن هناك ارتباطًا وثيقًا بين طبيعة (الموضوع) وطبيعة (القالب) ، وأن (الموضوع) يتأثر بـ (القالب) ، وقد تتغير طبيعته ويلحقها التشويه إذا عرض في قالبٍ في طبيعته وفي تاريخه عداء وجفوة وغربة عن طبيعة الموضوع، الأمرُ المتحقق في موضوع التصور الإسلامي والقالب الفلسفي . والذي يدركه من يتذوق حقيقة هذا التصور".
7)"إن العقيدة - إطلاقًا - والعقيدة الإسلامية - بوجه خاص - تخاطب الكينونة الإنسانية بأسلوبها الخاص، وهو أسلوب يمتاز بالحيوية والإيقاع واللمسة المباشرة والإيحاء .. الإيحاء بالحقائق الكبيرة، التي تتمثل كلها في العبارة، ولكن توحي بها العبارة . كما يمتاز بمخاطبة الكينونة الإنسانية بكل جوانبها وطاقاتها ومنافذ المعرفة فيها، ولا يخاطب (الفكر) وحده في الكائن البشري .."
أما الفلسفة فلها أسلوب آخر، إذا هي تحاول أن تحصر الحقيقة في العبارة، ولما كان نوع الحقائق التي تتصدى لها يستحيل أنْ ينحصر في منطوق العبارة - فضلًا عن أنَّ جوانب أساسية من هذه الحقائق هي بطبيعتها أكبر من المجال الذي يعمل فيه (الفكر) البشري - فإنَّ الفلسفة تنتهي حتمًا إلى التعقيد والتخليط والجفاف، كلما حاولت أن تتناول مسائل العقيدة ! ومن ثم لم يكن للفلسفة دور يذكر في الحياة البشرية العامة، ولم تدفع بالبشرية إلى الأمام شيئًا مما دفعتها العقيدة، التي تقدمت بالبشرية على حدائها في تيه الزمن وظلام الطريق .
لابد أن تُعرض العقيدة بأسلوب العقيدة، إذ أن محاولة عرضها بأسلوب الفلسفة يقتلها ويطفئ إشعاعها وإيحاءها، ويقصرها على جانب واحد من جوانب الكينونة الإنسانية الكثيرة"."
8)"لسنا حريصين على أن تكون هناك (فلسفة إسلامية) ! لسنا حريصين على أن يوجد هذا الفصل في الفكر الإسلامي ! ولا أن يوجد هذا القالب في قوالب الأداء الإسلامية ! فهذا لا ينقص الإسلام شيئًا في نظرنا، ولا ينقص (الفكر الإسلامي) بل يدل دلالة قوية على أصالته ونقائه وتميزه"