فهرس الكتاب

الصفحة 16992 من 27345

وبعد هذا كله فاعلم أن ما سقناه من الدلالة وما هو كالتوطيد لها وما هو كالخاتمة تختم بها البحث: يقضى أبلغ قضاء وينادى أرفع نداء، ويدل أوضح دلالة، ويفيد أجلى مفاد: أن ما رواه صاحب البحر عن الإمام يحيى، غلط من أغاليط العلماء، وخطأ من جنس ما يقع للمجتهدين وهذا شأن البشر. والمعصوم من عصمه الله. وكل عالم يؤخذ من قوله ويترك، مع كونه رحمه الله من أعظم الأئمة أنصافا وأكثرهم تحريا للحق وإرشادا وتأثيرا، ولكننا رأيناه قد خالف من عداه بما قال: من جواز بناء القباب على القبور رددنا هذا الاختلاف إلى ما أوجب الله الرد إليه. وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فوجدنا في ذلك ما قدمنا ذكره من الأدلة الدالة أبلغ دلالة، والمنادية بأعلى صوت بالمنع من ذلك والنهي عنه، واللعن لفاعله والدعاء عليه. واشتداد غضب الله عليه، مع ما في ذلك من كونه ذريعة إلى الشرك، ووسيلة إلى الخروج عن الملة كما أوضحناه. فلو كان القائل بما قاله الإمام يحيى بعض الأئمة أو أكثرهم لكان قولهم ردأ عليهم، كما قدمناه في أول هذا البحث. فكيف والقائل به فرد من أفرادهم؟ وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد"، ورفع القبور وبناء القباب والمساجد عليها ليس عليها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما عرفناك ذلك فهو رد على قائله، أي مردود عليه.

والذي شرع للناس هذه الشريعة الإسلامية هو الرب سبحانه بما أنزله في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

فليس لعالم- وإن بلغ من العلم إلى أرفع رتبة وأعلى منزلة- أن يكون بحيث يقتدى به فيما خالف الكتاب والسنة أو أحدهما، بل ما وقع منه من الخطأ بعد توفية الاجتهاد حقه يستحق به أجرأ. ولا يجوز لغيره أن يتابعه عليه. وقد أوضحنا هذا في أول البحث بما لا يأتي التكرار له بمزيد.

فائدة

وأما ما استدل به الإمام يحيى حيث قال: (لاستعمال المسلمين ذلك ولم ينكرونه) فقول مردود، لأن علماء المسلمين مازالوا في كل عصر يروون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في لعن من فعل ذلك ويقررون شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم ذلك في مدارسهم ومجالس حفاظهم يرويها الآخر عن الأول والصغير عن الكبير، والمتعلم عن العالم من لدن أيام الصحابة إلى هذه الغاية. وأوردها المحدثون في كتبهم المشهورة من الأمهات والمسندات والمصنفات وأوردها المفسرون في تفاسيرهم، وأهل الفقه في كتبهم الفقهية، وأهل الأخبار والسير في كتب الأخبار والسير فكيف يقال: إن المسلمين لم ينكروا على من فعل ذلك، وهم يروون أدلة النهي عنه واللعن لفاعله، خلفا عن سلف في كل عصر. ومع هذا فلم يزل علماء الإسلام منكرين لذلك مبالغين في النهي عنه.

وقد حكى ابن القيم عن شيخه تقي الدين- رحمهما الله- وهو الإمام المحيط بمذهب سلف هذه الأمة وخلفها. أنه قد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد على القبور، ثم قال: وصرح أصحاب أحمد ومالك والشافعي بتحريم ذلك. وطائفة أطلقت الكراهية، لكن ينبغي أن يحمل على كراهة التحريم، إحسانا للظن بهم، وأن لا يظن بهم أن يجوزوا ما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن فاعله والنهى عنه. انتهى.

فانظر كيف حكى التصريح عن عامة الطوائف؟ وذلك يدل على أنه إجماع من أهل العلم على اختلاف طوائفهم ثم بعد ذلك جعل أهل ثلاثة مذاهب مصرحين بالتحريم، وجعل طائفة مصرحة بالكراهة وحملها على كراهة التحريم. فكيف يقال: إن بناء القباب والمشاهد على القبور لم ينكره أحد؟.

ثم انظر كيف يصح استثناء أهل الفضل برفع القباب على قبورهم وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قدمنا أنه قال:"أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا"، ثم لعنهم بهذا السبب.

فكيف يسوغ من مسلم أن يستثني أهل الفضل بفعل هذا المحرم الشديد على قبورهم، مع أن أهل الكتاب الذين لعنهم الرسول صلى الله عليه وسلم وحذر الناس ما صنعوا لم يعمروا المساجد إلا على قبور صلحائهم.

ثم هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد البشر وخير الخليقة وخاتم الرسل، وصفوة الله من خلقه، ينهى أمته أن يجعلوا قبره مسجدا أو وثنا أو عيدا، وهو القدوة لأمته. ولأهل الفضل من القدوة به والتأسي بأفعاله وأقواله الحظ الأوفر. وهم أحق الأمة بذلك وأولاهم به. وكيف يكون فعل بعض الأمة وصلاحه مسوغا لفعل هذا المنكر على قبره؟ وأصل الفضل ومرجعه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأي فضل ينسب إلى فضله أدني نسبة. أو يكون له بجنبه أقل اعتبار؟ فإن كان هذا محرما منهيا عنه ملعونا فاعله في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما ظنك بقبر غيره من أمته؟.

وكيف يستقيم أن يكون للفضل مدخل في تحليل المحرمات وفعل المنكرات؟ اللهم غفرا، والحمد لله الذي هدانا للحق ووفقنا لاتباعه، وصلى الله على محمد عبد الله ورسوله وعلى آله أجمعين.

تمت بحمد الله رسالة شرح الصدور

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت