فهرس الكتاب

الصفحة 17111 من 27345

"بماذا يقاس الإيمان، إن لم يكن مقياسه الثبات عليه في أشد الظروف حلكة، وأدعاها للناس؟ وان لم يكن مقياسه أصبر في سبيله على المكاره؟ وإنها لمكاره من كل نوع. لعلّ المعنوي منها أقسى من المادي .. لم يساوم هذا الرسول ولم يقبل المساومة لحظة واحدة في موضوع رسالته، على كثرة المساومات واشتداد المحن.. فحيثما تعرض الأمر لدعوته وعقيدته فلا محل لمجاملة مهما قويت بواعثها. أهذا شأن من يملك من الأمر شيئًا ؟ أهذا شأن من لا تسيطر عليه قوة قاهرة أقوى من مراده وهوى نفسه؟ لقد ضُرِب وشُبِح وأُهِين في كل مكان فلم يعنه من ذلك شيء سوى خوفه أن يكون بالله عليه غضب فالا يمكن ربه غاضبًا عليه فلا يبالي. وقريش تمنّيه بانقلاب الحال إلى ملك مؤهل وثراء مذلل فلا يفكر بشيء من ذلك طرفة عين ، ويعرض عنه بغير مبالاة. فالا يمكن نورًا هو الصدق الصادق فقد ارتكست مقاييس تجعل من صاحب هذه المواقف مساومًا .. طالب مغنم .." (7) .

نصري سلهب

"في مكة .. أبصر النور طفل لم يمر ببال أمه، ساعة ولادته، أنه سيكون أحد أعظم الرجال في العالم، بل في التاريخ، ولربما أعظمهم إطلاقًا" (8) .

"غدا اسم محمد - صلى الله عليه وسلم - أشهر الأسماء طُرًّا، وأكثرها تردادًا على الشفاه وفي أعماق القلوب. وحسبه شهرة وتردادًا أن ملايين المؤمنين في العالم يؤدون، كل يوم أكثر من مرة، شهادة مقرونة باسم الله وباسمه" (9) .

من ينعم التفكير في سيرة هذا الرجل - صلى الله عليه وسلم- يرَ نفسه منساقًا إلى الإقرار بأن ما حققه وقام به يكاد يكون من دنيا غير التي يعرفها البشر" (10) ."

"هنا عظمة محمد - صلى الله عليه وسلم- -. لقد استطاع خلال تلك الحقبة القصيرة من الزمن، أن يحدث ثورة خلقية وروحية واجتماعية، لم يستطعها أحد في التاريخ بمثل تلك السرعة المذهلة" (11) .

"لا ليس بين الرسل واحد كمحمد - صلى الله عليه وسلم -عاش رسالته عمقًا"

وصعدًا، بعد مدى، ذوب كيان، عصف بيان، عنف إيمان" (12) ."

"لكأني بمحمد - صلى الله عليه وسلم- آلى على نفسه أن يترك للمؤمنين ثروة روحية وأخلاقية، ينفقون منها فلا تنضب ولا تشح؛ لأنها بحجم روحه، وهل أن روح النبي تنضب أو تشح؟" (13) .

"إن محمدًا - صلى الله عليه وسلم- كان أمّيًا لا يقرأ ولا يكتب، فإذا بهذا الأميّ يهدي الإنسانية أبلغ أثر مكتوب حلمت به الإنسانية، منذ كانت الإنسانية، ذاك كان الكتاب الذي أنزله الله على رسوله" (14) .

"ليس في القرآن كله ذكر لمعجزة أو لأعجوبة صنعها النبي- صلى الله عليه وسلم- فحسبه أن المعجزة الكبرى كانت بوساطته. حسبه أن الله اختاره من دون لبشر لينزل عليهم تلك الثروة التي لم يروِ التاريخ أن ثروة بحجمها جاءت على لسان رجل واحد. حسبه أن يكون قد نثر تلك الثروة بحرفيتها على الناس، فأفادوا منها جميعهم. وستظل مدى الدهر ينبوعًا يرِدُه العِطاش إلى الحقيقة والجِياع إلى ملكوت الله" (15) .

"إن أولى الآيات البيّنات كانت تلك الدعوة الرائعة إلى المعرفة، إلى العلم عبر القراءة.. اقرأ .. وقول الله هذا لم يكن لمحمد - صلى الله عليه وسلم - فحسب، بل لجميع الناس، ليوضح منذ الخطوة الأولى، بل منذ الكلمة الأولى، أن الإسلام جاء يمحو الجهل، وينشر العلم والمعرفة" (16) .

"ذلك العظيم الذي كان يحاول تغيير التاريخ، ويعدّ شعبًا لفتح الدنيا من أجل الله.. ذلك الأمي اليتيم الفقير الذي خاطب الأباطرة والملوك والأمراء من ندّ إلى ندّ، بل كمن له عليهم سلطان.. ذلك الملهم الذي كان همّه أن يعيد الصلة بين الأرض والسماء. ذلك الرجل وجد الوقت الكافي ليلقي على الناس دروسًا في آداب المجتمع، وفي أصول المجالسة وكيفية إلقاء السلام!" (17) .

"هذا الرجل الذي ما عرف الهدوء ولا الراحة ولا الاستقرار، استطاع، وسط ذلك الخضّم الهائج، أن يرسي قواعد دولة، وأن يشرّع قوانين، ويسن أنظمة، ويجود بالتفاسير والاجتهادات، ولم ينسّ أنه أب وجدٌّ لأولاد وأحفاد فلم يحرمهم عطفه وحنانه. فكان بشخصيّته الفذّة، الغنيّة بالقيم والمعطيات والمؤهّلات، المتعددة الأبعاد والجوانب الفريدة بما أسبغ الله عليها من نعم وصفات، وبما حباها من إمكانات، كان بذلك كله عالمًا قائمًا بنفسه" (18) .

"لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم- رسولًا وحسب، يهدي الناس إلى الإيمان، إنما كان زعيمًا وقائد شعب، فعزم على أن يجعل من ذلك الشعب خير أمة أخرجت للناس. وكان له ما أراد" (19) .

(1) محمد: الرسالة والرسول، الطبعة الثانية، دار الكتب الحديثة، القاهرة ـ 1959 م، ص 28.

(2) نفسه ، ص 88.

(3) نفسه ، ص 170 ـ 171.

(4) نفسه ، ص 188 ـ 189.

(5) محمد في حياته الخاصة، دار الكتب الحديثة، القاهرة ـ 1969 م، ص 14.

(6) محمد الرسالة والرسول، ص 182 ـ 183.

(7) نفسه، مقتطفات من الصفحات 159 ـ 168.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت