وورائها شياطين يبذلون ما يبذلون في نشرها وترويجها.. فهلك من هلك من أولئك الشياطين، وسطر لنا التاريخ قبيح أفعالهم، فبقيت فيهم وصمة عار إلى قيام الساعة، وكذلك شياطين هذا الزمان ممن أكمل المشوار، وسار على خطى من قبله، سيكتب التاريخ عليهم كل شيء، وسيأتي اليوم، التي تعرف فيه الأجيال، أسماء وطرق وأساليب وحيل جميع شياطين هذا الزمان، بل سيزيد الأمر فضيحة لأنها ستكون موثقة بالأرقام والإحصائيات، والوثائق، بخلاف كتابة التاريخ في الماضي، فإنها كتابة عامة. لكنه أولًا وأخيرًا كتابة التاريخ.
فعليك أيها المسلم: بمعاداة من هذه صفاته، وإن قال ما قال، وادعى ما ادعى، فإنه من شياطين الإنس، الذين هم أضر من ابليس أبي الجن وذريته.
وإذا كان الله أمرنا بالاستعاذة من جنس الشيطان: من همزه ونفثه ونفخه، ورفض خطواته عمومًا، فأمره يدل بطريق أولى على معاداته ومنابذته في كل شيء، فواجب المسلم أن يتعوذ بالله متبرئًا من الشيطان:
من همزه: الذي يكون بالوسوسة والإغراء على الشر بجميع الوسائل، مقروءة ومسموعة، مرئية ومشاهده.
وكذلك من نفخه: الذي يكون بغرس الكبر، بأن يقذف في روع الإنسان أنه من نوع كذا، أو أنه من عنصرٍ سام، فيلهب صدره بالقومية الفلانية، أو النعرة الفلانية، أو يطغيه بمركزه، فيجعله بهذا، أو ذاك معرضًا عن الحق، ساعيًا بالباطل كما وصف الله بعضهم بقوله:...إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ... [56] } [سورة غافر] .
ومن نفثه: بالشعر، والكلمات الرنانة المغرية على السير بالباطل، والتمادي فيه، معتقدًا نجاح طريقته، بهذا النفث في آذان الناس ...وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ... [4] } [سورة المنافقون] . فإن الكثير من الناس يُخدع بالكلام المعسول.. هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ [221] تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [222] يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ [223] } [سورة الشعراء] .
لقد تفاقم شر الشاطين في هذا الزمان، إلى حد أنهم أراحوا الأبالسة من الجن في كثير من الأمور، وأراحوا شياطين الاستعمار في كثير من المهام. فصارت فتنتهم أشد من القتل؛ وذلك لأنهم احتسوا من قيح الاستعمار ودمه وصديده، فأخذوا يمجونه على القلوب الطاهرة، وتجرءوا على ما لم يتجرأ عليه المستعمر قولًا، وعملًا، وتنفيذًا، وفتنة.
وشياطين الجن مهدوا السبيل لهم بإحراق ما قدروا على إحراقه مما في الإنسان من مواهب الخير، أو طمسها، أو تصدئتها، بحيث يكون قلب غُلفًا بذلك، مما تقذف به شياطين الإنس وتحشوه من الباطل.
فأكثر أيها المسلم من الإستعاذة، متبعًا لها بالحذر واليقظة، والعمل الدائم لإعلاء كلمة الله، وحفظ حدوده، وأشغل نفسك في جميع أوقاتك بطاعته، كيلا تجعل للشيطان مجالًا، أو فراغًا ينفذ منه، فلا يحصل له عليك سلطان.
وإن خير ما شغل به المسلم نفسه، للتصدي لهذا الشيطان بعد إقامة أركان الإسلام: الدعوة إلى الله عز وجل، والعمل للإسلام، والبذل للدين، ومن جملة العمل: التصدي لهؤلاء الشياطين بفضح خططهم، وتوضيح أساليبهم، وتحذير الناس منهم، تحذيرًا عامًا وخاصًا، واستغلال بعض المناسبات لتحذير الناس من شر هؤلاء الشياطين، وتبيين مدى خطرهم.
والمفرّط في دينه، إما بترك بعض الطاعات، أو إرتكاب بعض المخالفات، أو الغفلة والجهل بهؤلاء الشياطين، فإنه لابد من استيلاء الشيطان عليه، من بعض النواحي والجوانب، والمعصوم من عصمه الله. فنسأل الله أن يقينا شر أنفسنا، وشر الشيطان وشركه. اللهم من أراد الإسلام والمسلمين من شياطين الإنس والجن بسوء فأشغله بنفسه, واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدبيرًا عليه يا رب العالمين.
من خطبة:'شياطين الإنس' للشيخ/ناصر الأحمد