فهرس الكتاب

الصفحة 1726 من 27345

فالتفكّر يحصِّله والتذكّر يحفظه. ولهذا قال الحسن: «ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكّر، وبالتفكّر على التذكّر ويناطقون القلوب حتى نطقت بالحكمة» ، فالتفكّر والتذكّر بذار العلم، وسقيه مطارحته، ومذاكرته تلقيحه. كما قال بعض السّلف: «ملاقاة الرجال تلقيح لألبابها» . فالمذاكرة بها لقاح العقل؛ فالخير والسعادة في خزانة مفتاحها التفكّر؛ فإنه لا بدّ من تفكّر، وعلم يكون نتيجته الفكر، وحال يحدث للقلب من ذلك العلم؛ فإن كلّ مَن علم شيئًا من المحبوب أو المكروه لا بدّ أن يبقى لقلبه حالة وينصبغ بصبغة من علمه، وتلك الحال تُوجِب له إرادة، وتلك الإرادة تُوجِب وقوع العمل، فهاهنا خمسة أمور:

الفكر وثمرته العلم، وثمرتهما الحالة التي تحدث للقلب، وثمرة ذلك الإرادة، وثمرتها العمل. فالفكر إذن هو المبدأ والمِفتاح للخيرات كلها، وهذا يكشف لك عن فضل التفكّر وشرفه وأنه من أفضل أعمال القلب وأنفعها له حتى قيل: تفكُّر ساعة خير من عبادة سنة، فالفكر هو الذي ينقل من موت الفطنة إلى حياة اليقظة، ومن المكاره إلى المحابّ، ومن الرغبة والحرص إلى الزهد والقناعة، ومن سجن الدنيا إلى فضاء الآخرة،ومن ضيق الجهل إلى سعة العلم ورحبه، ومن مرض الشهوة والإخلاد إلى هذه الدار إلى شفاء الإنابة إلى الله والتجافي عن دار الغرور، ومن مصيبة العمى والصّمَم والبكْم إلى نعمة البصر والسمع والفهم عن الله والعقل عنه، ومن أمراض الشُّبُهات إلى برد اليقين وثلج الصدور. وبالجملة فأصل كل طاعة إنما هي الفكر، وكذلك أصل كل معصية إنما يحدث من جانب الفكر» (3) ا.هـ.

الاشتقاق اللغوي للتفكر:

ذكر صاحب اللسان في مادة (فكر) قوله: «الفَكر والفِكر: إعمال الخاطر في الشيء ... والفكرة: كالفكر، وقد فكر في الشيء وأفكر فيه وتفكر بمعنى. ورجل فكيِّر. أي: فسيق. وفكير: كثير الفكر. وقال الجوهري: التفكر: التأمل. والاسم: الفكر والفكرة. والمصدر الفَكر بالفتح» (4) ا.هـ.

وقال في مفردات القرآن: «الفكرة: قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم. والتفكر جولان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب. ولهذا روي «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله؛ إذ كان الله منزهًا أن يوصف بصورة» (5) قال الله _عز وجل_: (( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ) ) (الروم:8) .

ورجل فكيِّر: كثير الفكرة، قال بعض الأدباء: مقلوب عن الفرك لكن يستعمل الفكر في المعاني؛ وهو فرك الأمور وبحثها طلبًا للوصول إلى حقيقتها) (6) .

(1) «الفوائد» : (ص 344-345) .

(2) المصدر السابق: (ص 306-310) باختصار.

(3) «مفتاح دار السعادة» : (188، 189) .

(4) «لسان العرب» : (5/3451) .

(5) انظر تخريجه: ص 31.

(6) «المفردات في غريب القرآن» للراغب الأصفهاني: (ص 384) .

المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فلقد أنعم الله _عز وجل_ على بني آدم بنعم عظيمة سخرها لهم ليعرفوه بها _سبحانه_، فيعبدوه ويوحدوه، ويقوموا بمهمة الخلافة في هذه الأرض، ويحققوا الغاية التي من أجلها خلقهم الله عز وجل. وإن من أعظم هذه النعم نعمة العقل والتفكير التي هي خاصية من خصائص الإنسان التي يتميز بها عن سائر الجمادات والعجماوات.

وقد جاء التنويه بهذه النعمة العظيمة التي يعرف بها الحق من الباطل، والنافع من الضار في أكثر من آية في كتاب الله _عز وجل_ كما في قوله _تعالى_: (( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ) (النحل:78) ، وقوله _سبحانه_: (( قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ) ) (الملك:23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت