فهرس الكتاب

الصفحة 17281 من 27345

وحالة"الشخصنة"هذه تفسر غياب"آداب الاختلاف"في القول والعمل، في العمل الديني عامة، ذلك أن آداب الاختلاف تتمحور حول نقد الأفكار مع الحفاظ على سلامة الصدور ونقاء العلاقات الشخصية؛ لأن الفكرة تنفصل عن الشخص في صورة الاعتقاد بأحقية الحق المجرد (لا الذي نمثله نحن) ووجوب اتباعه والاقتراب منه بقدر الجهد والإمكان، وأفضلية الاعتراف بالخطأ، وأن الجميع يؤخذ منهم ويُرَد عليهم إلا"الوحي"، وهي الآداب التي كانت سائدة في العصر الأول زمن الصحابة الذين اختلفوا وتفرقوا في الأمصار، وفي عصر أئمة المذاهب الذين كان يعذر بعضهم بعضًا، حتى أن أبا حنيفة كان يقول:"هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خير منه قبلناه".

وهنا قد يفرق بعضهم بين"العلم"و"الدعوة"بأن الثاني يقوم على"تبليغ الحقائق"والجزم بها حتى يتأتى للمدعوين الامتثال لها والتصديق بها، بينما يقوم العلم على الإدراك النسبي والشك المنهجي. لكن هذا محلُّه في تبليغ"الحقائق"وهي"ما عُلم من الدين بالضرورة"وليس في كل ما يقوم به الدعاة، وهذا أحد أهم مَقاتل الدعوة أن تُنزِل المسائل الاجتهادية منزلة أصول المسائل الاعتقادية اليقينية، والفروعُ منزلة الأصول! ثم إن الجماعات الدعوية اليوم يختلط فيها العلم بالدعوة، ما يصعب معه الفصل بينهما.

إن سيادة هذه الممارسات النقدية، المحكومة بآداب الاختلاف من شأنها أن تكثف الوعي بالفكرة والهدف الذي ضمر في ظل هاجس الشيخ الفرد، والجماعة المتفردة، كما من شأنه أن يُفعِّل العمل الدعوي، والنشاط الاجتهادي، نحو التكامل والقبول بالآخر المختلف، وبهذا يكون الإخلاص والتجرد للفكرة لا في فلك الشخص وفي إطار الجماعة الضيقة.

ولكي لا نُغْرِق في التجريد فإن ثمّة خطوات إجرائية يمكن القيام بها كخطوة أولى في محاولة الإصلاح هذه، من خلال تبادل الدعاة بين الجماعات، وعقد المؤتمرات والندوات المشتركة، والتي تناقش موضوع العلاقات بين جماعات العمل الإسلامي، والموضوعات ذات الاهتمام التي تناقش الرؤى المختلفة، والإصدار المشترك لإنتاجات دعوية وعلمية بحيث يتم كسر حدة تحيز الأتباع ضد بعض الأسماء، والحث على قراءتها، والحث على حضور مجالس الدعاة الآخرين والتواصل معهم، وتبادل خطب الجمعة، والتعاقب على المنابر، وعقد لقاءات تعارف ونحو ذلك.

إننا ننظر إلى هذه العملية الإصلاحية على أنها خطوة في طريق التحول من نشاط"الجماعات"إلى نشاط"المؤسسات"بالمعنى الحديث، وفق الأسس التنظيمية الحديثة التي تتمحور حول أهداف واضحة، ووفق سياسات ووسائل إجرائية، وتخضع للتقويم والفحص الدوري، وتتحرر من أَسْر الشيخ الفرد لتتمحور حول الهدف والفكرة، ولا تموت بموت الشخص، ويكون القرار فيها لمجموع أهل الخبرة، دون أن تقع في ربقة"الرسمية"والتراتبية الإدارية، أو المحسوبيات والولاءات والانتماءات، لكن من المهم الإشارة إلى ضعف فكرة"المؤسسة"لدى الإسلاميين، وعدم نجاحهم -حتى الآن- في إنشاء مؤسسات بالمعنى الحديث للكلمة، وحتى ما قام من المؤسسات لم يلبث أن أخذ شكل"جماعة"ودخل في أسر الفرد، ومن هنا تأتي محاولتنا خطوة نحو التقريب لذلك، والأمل بإحلال"المؤسسة"بدل"الجماعة". ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت