فهرس الكتاب

الصفحة 17310 من 27345

ومن العبادات القلبية التي يتعبد بها المؤمنون لربهم الخوف، فهم لا يخافون إلا من خالقهم جل وعلا الذي بيده حياتهم ومماتهم وأرزاقهم، هم العارفون دون غيرهم بعظمة الله وكبريائه ولذا فإنهم يخافون ربهم ويخشونه يرجون رحمته ويخشون عذابه، قلوبهم قد خلصت له فلا شيء غير الله بداخلها يزاحم مراد الرب جل وعلا.

إن قلوب المؤمنين العابدين قلوب طاهرة من الشرك والرياء، ومن النفاق والغل والحسد والحقد، قد سلمت من كل الأدواء والأمراض فأصحابها العابدون لربهم هم السالمون غدًا في عرصات يوم القيامة: ? يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ? [ الشعراء:88-89] .

ومن عبادات القلوب التي يتعبدون لله بها التوكل على الحي الذي لا يموت، وقد جاءت الآيات الكثيرة آمرة الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالتوكل على الله والاعتماد عليه، وتفويض الأمور كلها إليه كما قال تعالى: ? وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ? [الشعراء:217] . ، ? فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ? [النمل:79] . وقوله: ? ... وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ? [المائدة:23] . وقوله: ?وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ? [آل عمران:122] .وقوله: ? ... وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ...? [ الطلاق:3] وقوله: ?الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ? [آل عمران:173] .

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: ? ... إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ? [آل عمران:173] ."

وحقيقة التوكل: هو صدق اعتماد القلب على الله جل وعلا في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة، وتوكيل الأمور كلها إليه سبحانه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع، ولا يضر ولا ينفع إلى الله عز وجل، ومما ينبغي إن يفقه جيدًا أن التوكل لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب مادام العبد معتقدًا أن الأمر كله لله.

فقد أمر الله عباده بالأخذ بالأسباب في مواجهة الأعداء بالخطط المحكمة، وإعداد القوة، وأخذ الحيطة والحذر، كما أمر عباده بالسعي في طلب الرزق، فإذا أخذ المسلم بالأسباب المشروعة واستعان بالله تعالى على نجاح مقاصده فإنه يكون قد حقق التوكل ونال رضا الله تعالى وحصل على عظيم المثوبة في الآخرة كما جاء في صحيح مسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال:"هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون"وقال صلى الله عليه وسلم:"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عل الشيطان"، ولقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ناسًا من أهل اليمن ، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون ، قال: بل أنتم المتواكلون، إنما المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض ويتوكل على الله."

وما أحوج الأمة اليوم وهي تواجه تحديات خطيرة لا قِبل لها بها إلا بتحقيق عبودية التوكل على الله كما يريد الله وذلك بالأخذ بالأسباب الممكنة والمتاحة مع صدق التوكل والاعتماد على الله قال تعالى: ? ... وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ...? [ الطلاق:3] أي كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذى لابد منه كالحر والبرد والجوع والعطش، فأما أن العدو يضره بما يبلغ مراده منه فلا يكون أبدًا. قال بعض السلف:"جعل الله لكل عمل جزاء من نفسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته، فقال: ? ... وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ...? [ الطلاق:3] . فلم يقل: فله كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال؛ بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته السماوات والأرض ومن فيهن ، لجعل الله له مخرجًا وكفاه ورزقه ونصره وهداه. علينا جميعًا أن نوثق صلتنا بربنا وخالقنا وأن نصدق في عبادته ظاهرًا وباطنًا ونخلص له ونتوكل عليه فهو ولينا ومولانا نعم المولى ونعم النصير."

الخطبة الثانية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت