فهرس الكتاب

الصفحة 17408 من 27345

يعود هنتنغتون إلى فكرة دافع عنها منذ 1968 تقوم على الطابع الخاص والمتميز للتجربة الأمريكية الذي يصعب تكراره أو استنساخه:"ليس للتجربة الأمريكية أن تقدم الكثير للدول السائرة في طريق الحداثة، لم تكن الثورة الأمريكية ثورة اجتماعية كما هو حال الفرنسية والروسية والصينية، المكسيكية أو الكوبية، كانت مجرد حرب استقلال. ولم تكن حرب استقلال يقودها السكان الأصليون، بل الفاتحين الأجانب، حرب المستوطنين ضد بلدهم الأصلي." (12) . هذه الفكرة يتابعها في رفضه لاعتبار الولايات المتحدة مجتمع من المهاجرين متعدد الأعراق والإثنيات والثقافات. ليعود للتأكيد على أن الأسس التي قامت عليها الولايات المتحدة هي مشروع المستوطنين الأنجلو بروتستانت الذين ألبسوا الدولة ومؤسساتها وثقافتها السائدة ركائز أساسية أولها الرجل الأبيض، ثانيها الثقافة الأنجلو بروتستانتية والدين المسيحي البروتستنتي والإثنية الإنجليزية. هذه الركائز تعززت حتى نهاية القرن التاسع عشر بالحروب الإجبارية التي خاضتها الولايات المتحدة ضد الهنود الحمر والمستعمرين الأوربيين والحرب الباردة. كون العداء للآخر كان أحد قدمي التجربة الأمريكية وكل محاولة لتشكيل هوية الجماعة. باعتبار أن القدم الثانية تقوم على مبادئ الحرية والمساواة والديمقراطية النيابية واحترام الحقوق والحريات الدينية والمدنية وسيادة حكم القانون كعنصر قطيعة وتمايز عن الثقافة الإقطاعية في أوربة والتي كانت سببا رحيلهم الواسع والنهائي.

لقد شكلت هذه الثقافة بمقوماتها الأربعة عنصر استقطاب ودمج للجماعات الأخرى الأقل حجما. إلا أن التقدم في وسائل الاتصال والمواصلات أعاد بناء الجسور بين المهاجرين الجدد وبلدانهم وثقافاتهم الأصلية. الأمر الذي يقف عائقا دون اندماج سريع ويهدد بقاء الهوية الأمريكية واستمرارها. كما أن تكوين هويات فوق قومية مع العولمة وزيادة نفوذ"الليبراليين اليساريين"ذوي الثقافة التعددية يساعد على نمو هويات فرعية على رأسها اللاتينيين الأمريكيين والأفارقة السود.

في كل هذا، هنتنغتون منسجم مع فكرة يدافع عنها منذ أكثر من عقد زمني، تقول أنّ العوامل الإتنية والدينية واللغوية والتاريخية والمؤسّسية تحلّ مكان الأيديولوجيات السياسية كعناصر أساسية في هويّة الشعوب والدول. وفي مختلف أنحاء العالم بدأ الناس يحدّدون هويّتهم أكثر فأكثر من خلال عضويّتهم في مجموعات إتنية أو طوائف دينية أو مجموعات لغويّة أو تاريخية. تتحوّل السياسة المحلّية إلى سياسة الإتنيّات في حين أنّ السياسة العالمية تتحوّل إلى سياسة الحضارات التي هي أوسع مجموعات ثقافية يتماهى الناس معها. هذه الفكرة لا بد لها من ترجمة محلية، لأن الصراع الحضاري للولايات المتحدة مع غير الغربي لا يغير شيئا في أن هذا الصراع يبدأ من المجتمع الأمريكي نفسه وعبر مكوناته.

وكما يختصر علاء بيومي (13) ، يعتبر هنتنغتون أن التحديات السابقة يمكن أن تؤدي إلى واحدة من التبعات الأربعة التالية على الهوية الأميركية في المستقبل:

أولا: فقدان الهوية الأميركية وتحول أميركا إلى مجتمع متعدد الثقافات والأديان مع الحفاظ على القيم السياسية الأساسية. ويرى هنتنغتون أن هذا السيناريو يفضله كثير من الليبراليين الأميركيين، لكنه سيناريو مثالي يصعب تحققه.

ثانيا: تحول أميركا إلى بلد ثنائي الهوية (إنجليزي-إسباني) بفعل زيادة أعداد ونفوذ الهجرات اللاتينية الأميركية.

ثالثا: ثورة الأميركيين البيض لقمع الهويات الأخرى. ويرى هنتنغتون أن هذا السيناريو احتمال قائم يدرس إمكانات وقوعه ودوافعه بالتفصيل خلال الفصل قبل الأخير من كتابه.

رابعا: إعادة تأكيد الهوية الأميركية من قبل الجميع والنظر لأميركا كبلد مسيحي تعيش به أقليات أخرى تتبع القيم الأنغلو-بروتستانتينية والتراث الأوروبي والعقيدة السياسية الأميركية كأساس لوحدة كافة الأميركيين.

هنا يعود بنا هنتنغتون لتفوق الأنموذج الأصل وضرورة تعزيزه بالتبشير المسيحي، تطويع اللاتيني والإفريقي المسيحي ودمجه، وإحياء فكرة العدو الذي حدد لونه منذ الثورة الإيرانية حين قال:"الثورة الإيرانية يمكن أن تعتبر حربا معلنة بين الحضارتين الإسلامية والغربية. وماذا نشهد اليوم، صدام بين الإسلام والغرب يقود العالم نحو غياب الاستقرار" (14) .

لا ندري بماذا تختلف أطروحات هنتنغتون عن الخطاب العنصري في عشرينات وثلاثينات أوربة. الفارق ربما كان في القدرة الاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة على حماية أطروحات السيطرة من داخل الولايات المتحدة. باعتبارها سيناريوهات في إعادة فبركة الهوية الأمريكية والتعبئة لحرب وقائية محتملة ضد الآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت