إن الظروف الصعبة التي يمر بها الإنسان في معاشه تجعله يتطلع دائمًا إلى الغنى وحب الخير.. والخروج من الفقر والحاجة .. والصحابة الكرام رضوان الله عليهم كانوا يسرون إذا فتح الله عليهم من الدنيا ويستبشرون، إنها فطرة موجودة في النفس البشرية تحب المال وتتشوف إليه وتتطلع .. لا سيما إذا كان الفقر والحاجة قائمة .. ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتعهد أصحابه بالتربية والتوجيه ويربطهم بالله والدار الآخرة باستمرار ويقول:"اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة"، وفي سنة من السنوات بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان - صلى الله عليه وسلم - قد صالح أهل البحرين وأمّر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدومه، فوافوا صلاة الصبح مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما انصرف تعرضوا له، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رآهم وقال:"أظنكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة وأنه جاء بشيء؟"قالوا: أجل يا رسول الله ، قال:"فابشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم". لقد خشي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه وأمته زهرة الدنيا والتنافس فيها لأن المال مرغوب والإنسان يريد جمع أكثر شيء منه والانفراد به والمغالبة عليه فتقع من ثم العداوات والصراعات والاقتتال وكل ذلك يؤدي إلى الهلاك ولقد وقعت الأمة فيما تخوف منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن مشكلاتنا التي أهلكتنا وألقت بيننا العداوة والبغضاء ما هي إلا بسبب التنافس على حطام هذه الحياة وجمعها ومنعها والمغالبة عليها والأثرة بها.
رجال المال والأعمال الكبار يهيمنون على كل شيء ويحتكرون ويمنعون حق الله إلا القليل النادر منهم .. فيكرههم الناس ويبغضونهم، الحكام اليوم في أكثر بلاد العروبة والإسلام يحتكرون المناصب ويحتكرون التجارة ويعملون بجشع وتسابق محموم مع آجالهم للسيطرة على السياسة والمال .. وغالبًا ما يجمعون المليارات من أقوات الشعوب في البنوك الغربية ثم يذهبون من الدنيا ويخرجون منها محملين بأوزار وتبعات فلا نفعوا أمتهم ولا هم انتفعوا بما نهبوه وسرقوه، سلوا شاه إيران ماذا فعل بأرصدته؟! وشاوشسكوا، وموياتوا .. وسوهارتوا .. وكم في العرب من مثلهم يسيرون في الطريق ذاته لا يعتبرون ولا يتنبهون لأنهم سكروا بحب الدنيا فلا يصحون إلا في معسكر الموتى مع الهالكين.
التنافس في الدنيا والتسابق المحموم في جمع حطامها هو الذي قوض ديننا ودنيانا .. هو الذي غير النفوس. من أجل التنافس فيها فقدنا الأمن والاستقرار .. وتفرقت الأسر وتخاصم الجيران .. وفسد القضاء وخرب التعليم وضاعت الأمانة وانتشر كل بلاء ومصيبة بسبب هذه الدنيا التي نتنافس فيها ونتقاتل عليها .. ثم نذهب جميعًا ونتركها خلفنا فلا سلم لنا ديننا ولا استطعنا أن نحصل على دنيانا وأن نبقيها ، بل لا بد وأن تتركنا أو نتركها هما أمران لابد منهما. ? يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ? [فاطر:5] .
مما لاشك فيه أن قلوبنا في غفلة وغمرة .. وبها قساوة وقد ذكر العلماء رحمة الله عليهم وصفة علاجية للقلوب إذا غفلت أو قست ، فعلى أصحابها أن يعالجوها بأربعة أمور:
الإقلاع عما هي عليه ومجالسة الصالحين وحضور مجالس العلم والذكر والوعظ والتذكير .. ومعرفة سيرة الصالحين فإن ذلك مما يلين القلوب وينفعها.
ذكر الموت والإكثار من ذكر هاذم اللذات ومفرق الجماعات ، فإن تذكر الموت يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، ويذهب الفرح بالدنيا ويهون المصائب فيها.
مشاهدة المحتضرين وأحوالهم .. وكيف يخرجون من الحياة راغمين . وها نحن في هذا العصر نشاهد الحوادث التي تودي بحياة البشر وتنقلهم من عالمهم إلى عالم الآخرة ، وسواء أكانوا في الجو أم على وجه الأرض أم في قاع المحيطات .. إن التأمل الواعي لمصارع الناس .. يفطم النفس الأمارة. ويبعث على العمل الصالح ويزيد من الاجتهاد.
زيارة القبور الزيارة الشرعية ، والتفكر في أحوالها، قال - صلى الله عليه وسلم -"كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة"
روي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه خرج على المقبرة فلما أشرف عليها قال: يا أهل القبور أخبرونا أو نخبركم، أما خبرٌ من قبلنا: فالمال قد اقتسم، والنساء قد تزوجن، والمساكن قد سكنها قوم غيركم، ثم قال: أما والله لو استطاعوا لقالوا: لم نرى زادًا خيرًا من التقوى.