فهرس الكتاب

الصفحة 17488 من 27345

? الوقفة الأولى:اعلموا أن عدم ضبط النفس مظهر ضعف لا مظهر قوة، يعني إذا جاء إليك إنسان، وقال: إن فلانًا شتمنى، أو تصرف كذا، وأني ضربته، فلا تقل له أنه بطل، أبدًا فهو بالحقيقة ضعيف، ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. يقول الإمام أحمد رحمه الله مبينا هذه المسألة:'الصدع بالحق عظيم يحتاج إلى قوة وإخلاص، فالمخلص بلا قوة يعجز عن القيام به، والقوي بلا إخلاص يخذل، فمن قام بهما كاملًا فهو صدّيق، ومن ضعف فلا أقل من التألم والإنكار بالقلب، وليس بعد ذلك إيمان'. إذًا: عد ضبط النفس مظهر ضعف لا مظهر قوة.

?الوقفة الثانية:هناك فرق عظيم بين ضبط النفس وبين الذل، فقد يقول قائل: أن المعنى أن كل ما جاءنا نصبر عليه، وهذا يؤدي بنا إلى الذل والضعف.. أقول: لا.

فرق بين الذل وبين ضبط النفس: ضبط النفس هو تحمل الأذى في سبيل الله، من أجل الله، ومن أجل دعوته.

ضبط النفس: هو تحمل الأذى، والنظر في مآلات الأمور..ضبط النفس هو مراعاة قواعد المصالح والمفاسد.

فإذا كان تصرفك سيجر علينا مصيبة أعظم فلا، وبارك الله فيك، أما إن كنت قادرًا، ولن يترتب على ذلك مفسدة، فأقدم وبارك الله فيك، إن كنت صاحب سلطة فأدب هؤلاء.

أما الذل: فهو تحمل الأذى والإهانة من أجل مصلحة النفس، كثير من الناس يتحمل الأذى والإهانة من أجل مصلحة نفسه، يخشى على وظيفته، أو يخشى أن يسجن، أو يخشى من أي أذى شخصي.. وهذا هو الذل. هؤلاء هم الذين يتربون على الذل، أما أن تتحمل في سبيل الله، فالرسول صلى الله عليه وسلم قد وضع السلى على رأسه الكريمة فما حركه، وصبر صلى الله عليه وسلم، بل شجوا رأسه وصبر صلى الله عليه وسلم.. فيجب أن نفرق بين ضبط النفس وبين الذل حتى لا يقع وهم، أو يتصور أحد منكم أن هناك خلط بين الأمرين.. أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [54] [سورة المائدة] . لا نحن لا نقبل بالذل.. ولا نرضى به أبدًا.. ولكن هناك فرق بين الأمرين، فلتنتبهوا.

?الوقفة الأخيرة: الغضب من أجل الله إذا انتهكت محارمه مطلوب شرعًا، ولكن بضوابطه الشرعية، ضوابط المصلحة والمفسدة . فالرسول صلى الله عليه وسلم الرحيم الحليم قد غضب غضبًا شديدًا:

عندما خَرَجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالنَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْقَدَرِ وَكَأَنَّمَا تَفَقَّأَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ مِنْ الْغَضَبِ فَقَالَ لَهُمْ: [ مَا لَكُمْ تَضْرِبُونَ كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ بِهَذَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ] رواه ابن ماجة وأحمد.

وعندما بلغه أن معاذًا كان يطيل الصلاة في الناس غضب صلى الله عليه وسلم وقال: [يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ] رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبوداود وابن ماجة والدارمي وأحمد .

وعندما دخل على عائشة ووجد في غرفتها صور.. غضب صلى الله عليه وسلم.

إذًا: الغضب لله في ضوابطه الشرعية، وإذا لم يؤدي إلى مفسدة أعظم، وضبط بهذه الضوابط فهو مطلوب، والذي لا يغضب لله لا خير فيه.. وأسال الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.

من محاضرة:'ضبط النفس' للشيخ/ناصر العمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت