فهرس الكتاب

الصفحة 17490 من 27345

من الواضح تمامًا بالمقارنة بين النموذجين السابقين أنّ رشيد رضا يستبطن في النمط الأول (الاستبدادي) مآلات الواقع العربي في حينه، وفي الثاني الواقع الغربي والأوروبي، وما وصل إليه من مستوى عالٍ من التعليم والسياسة والتنظيم المؤسسي مقارنة بالواقع العربي. وهنا يطرح السؤال الجوهري: إذا كانت المجتمعات العربية لم تبلغ بعد درجة من العلم والتطور الثقافي والاقتصادي والسياسي ما يؤهلها للحفاظ على مصالحها وانتزاع حقوقها، فكيف تُدار؟ وكيف تُجسّر المرحلة حتى تصل إلى المرحلة السياسية المطلوبة؟

نجد الجواب عن السؤال السابق في مقالة لرشيد رضا بعنوان"الإصلاح والإسعاد على قدر الاستعداد"؛ إذ يرى أنه في مثل هذه الحالة لا مانع من التسليم بوجود القائد الداعي للإصلاح، المستبد العادل، الذي يسوق الناس إلى النهضة والعلياء سوقًا، لكونه يحكم"أمة خاملة ورعية جاهلة فيحملها بالقهر والإلزام على ما يُطلب ويُرام"، فإذا ما عجز هذا الحاكم عن"تغيير سرائر الناس، فإنه لا يعجز عن التصرف في ظواهرهم".

من رحم الولع بالإصلاح والنهضة والتغيير ولدت فكرة"المستبد العادل"لدى الشيخ محمد عبده وتلميذه محمد رشيد رضا، في سياق عدم الأهلية الاجتماعية والثقافية آنذاك للوصول إلى الخلاص من"طبائع الاستبداد". إلاّ أن تجربتنا السياسية الممتدة منذ ذلك التاريخ إلى اليوم أثبتت أن"المستبد العادل"الإصلاحي ليس موجودًا، وأن الحاضر دومًا هي"طبائع الاستبداد".

ولمّا يئس نفر من السياسيين والمثقفين العرب من"الاستبداد"، ومن عدم قدرة"الداخل"على الخلاص منه، نظروا إلى أنّ"الاحتلال الجديد"يمكن أن يوفر مدخلًا، ولو في البداية، للتخلص من"طبائع الاستبداد"- وهي نظرة قاصرة بالتأكيد- فإذا بِنا أمام نموذج أسوأ (في العراق) يتمثل بالحرب الأهلية والإرهاب وتدمير البنية الاجتماعية والثقافية المدنية لصالح انتماءات أولية، لتعود المناظرة الفكرية العربية اليوم مرة أخرى إلى السؤال: كيف الخلاص من"طبائع الاستبداد"دون البحث عن"مستبد عادل"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت