فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ولو أننا طبقنا هذا الأسلوب المشار إليه آنفًا في معالجة الخطأ، ووضع الناقد نفسه مكان صاحب الخطأ وبحث عن الملابسات التي أحاطت به في خطئه لتطامن الناقد، وعذر صاحب الخطأ إن وجد له عذرًا، أو أنه يضع خطأه في حجمه الطبيعي من غير تضخيم وتهويل، وكذلك لو حاسب الناقد نفسه فيما لو صدر منه الخطأ الذي صدر من العالم أو الداعية الفلاني، فهل مؤاخذته لنفسه بنفس القوة التي يوجهها لغيره؟ لأن مثل هذه المحاسبة تعد من أسباب التطامن والإنصاف، وكما قال معاوية للمسور - رضي الله عنهما - عندما عرَّفه ببعض أخطائه قال له: فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلك إن لم تُغفر؟ قال: نعم!
فكذلك الدعاة وأهل العلم في معالجتهم لأخطاء بعضهم، فلو أن الناقد انتبه لنفسه وما هي عليه من الأخطاء والذنوب لكان في ذلك من التطامن والتواضع مع صاحب الخطأ ما يجعل الناقد يضع الخطأ في حجمه المعقول، ويعامل صاحب الخطأ في حجمه المعقول، ويعامل صاحب الخطأ بالعدل والمحبة والإصلاح بعيدًا عن حظوظ النفس والأهواء؛ فإذا انضاف إلى ذلك وجود الخير الكثير والإصلاح عند الشخص المنتقد صار هذا أيضًا من دواعي اضمحلال خطئه في بحر حسناته.
وهذا ما أشار إليه معاوية - رضي الله عنه - بقوله للمسور - رضي الله عنه: فوالله ما ألي من الصلاح أكثر ما تلي.
ولا يعني هذا - كما تقدم - تمرير الأخطاء وتسويغها، وإنما يعني معالجتها معالجة عادلة تضع الخطأ في مكانه الطبيعي، فلا تُنسى حسنات المخطئ كما لا ينسى الناقد أن له عليه ذنوبًا كما على غيره، والسعيد من لم تشغله عيوب الناس عن عيوب نفسه.
• ما يصدر من أهل الابتلاء كالمرضى والفقراء والمسجونين والمهمومين والمحزونين وغيرهم من المواقف التي يعدها أهل الرخاء والعافية مواقف خاطئة؛ لكن ما أن تطبق القاعدة المشار إليها آنفًا في معالجة الخطأ، وهي قاعدة (ضع نفسك مكانه) فيضع من هو معافىً في دينه ودنياه نفسه مكان المبتلى، ويحاول أن يتصور الظروف التي تحيط بصاحب المصيبة إلا كان لذلك أثره على النظرة إلى هذه المواقف التي يعدها خاطئة؛ فإما أن يظهر له أنه معذور بسبب الملابسات التي أحاطت به كما قيل: ويل للشجي من الخلي، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب؛ أو أنه يظهر له الخطأ في حجمه الطبيعي، فيعالجه معالجة من يعرف ملابساته وأسبابه التي أدت إلى ضعف المصاب وقيامه بمواقف خاطئة تقدر بقدرها، وتعالج معالجة من يعرف ضعف الإنسان أمام الأقدار المؤلمة إلا من رحم الله - تعالى -، ولا يدري المعافى لو كان مكان المصاب ماذا عساه أن يفعل؟ نسأل الله - عز وجل - الثبات والعافية.
• كما تنفع هذه القاعدة في مساعدة المحتاجين والملهوفين ممن تعوزهم الحاجة إلى المال أو الجاه، أو تفريج همٍّ، أو إغاثة ملهوف قد انقطعت به السبل، أو جائع أو عطشان، أو غريب تائه عن الطريق، أو مسافر قد تعطلت راحلته... إلخ.
ذلك أن الإنسان عندما يضع نفسه مكان أصحاب هذه الحاجات، وبتصور حجم المعاناة التي يعانيها الملهوف والمكروب والجائع والمنقطع... إلخ. كما يتصور أيضًا وقع الإعانة لهؤلاء في نفوسهم وأثرها علهم وأجرها عند الله - عز وجل - كل ذلك مما يجعل الإنسان يهبُّ لقضاء حاجات الملهوفين والمحتاجين.
ولا يظهر التفاعل مع حاجات المحتاجين كما يظهر عند من مرت به حاجة من الحاجات في حياته كمرض احتاج فيه إلى من يواسيه ويقوم برعايته فيه، أو فقير احتاج إلى من يساعده ويهتم بحالته فيه، أو انقطعت به دابته أو سيارته فاحتاج من يصلحها له ويساعده على مواصلة الطريق... إلخ.
إن كل من مرت به حاجة من الحاجات ثم عافاه الله منها، ورأى بعد ذلك من وقع فيما وقع فيه من الحاجة فإن هذا من أكبر الدوافع التي تدفع إلى مساعدة المحتاج وإغاثة الملهوف؛ لأنه قد وضع نفسه مكان المحتاج، وتصور الظرف الذي يمر به المحتاج وأنه قد مر عليه مثله.
إن هذه القاعدة تنفع مع كل ذي كبد رطبة وليست مع الإنسان وحده، وإذا أخلص العبد في إعانته للمحتاج وأراد وجه الله - عز وجل - فإن الله - سبحانه - يشكر له صنيعه ويجازيه عليه الجنة؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا فنزل فيه فشرب، ثم خرج؛ فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماءً، ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله! إن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: في كل كبد رطبة أجر".
وكما يظهر من هذا الحديث نلاحظ أن الرجل الذي سقى الكلب قد طبق القاعدة التي نحن بصددها وهي (ضع نفسك مكانه) .