كما أن الأساس الذي قامت عليه هذه الجامعة يُعتبرُ أساسًا فكريًا خالصًا يتمثل في كون هذه الجامعة تنزل منزلة دعوة تاريخية لإصلاح العقائد، ونشر الكتاب والسنة، وحركة لصيانة الثروة الإسلامية، والاحتفاظ بالثقافة الإسلامية، والمسلمين في هذه البلاد. وتم اختيار هذه الدعوة والحركة كصورة مدرسة بخصوص ظروف البلاد وأحوال المسلمين في الهند آنذاك ؛ حيث ورث مؤسس هذه المدرسة هذه الصورة للدعوة الإسلامية والحركة الإصلاحية من الشيخ"الشاه ولي الله الدهلوي"وأسرته.
يقول العلامة الندوي:
"ومن سمات العلماء المتخرجين في هذه المدارس الدينية البارزة أنهم كانوا طليعة المناضلين لتحرير البلاد وإجلاء المستعمرين من مركز القيادة في هذه الحركة الشعبية القوية، ومنهم انبثقت فكرة النضال ضد الاحتلال في الحقيقة . وقد قاد كثير منهم حركة المقاومة الفعالة والثورات المسلحة بمقدرة وشجاعة ، فمنهم من قُتِل شهيدًا ومنهم من شنق ومنهم من نفي إلى جزائر"أندمان"وإلى منفى جزيرة"مالطا"، ومنهم من قضى شطرًا من حياته في السجون والمعتقلات في داخل البلاد . وتاريخ حركة التحرير والاستقلال مقترن بتاريخ العلماء والشخصيات الدينية في الهند ، متداخل فيه بحيث لايمكن فصل أحدهما عن الآخر" (6) .
وقد قال الدكتور أكبر رحماني في كتابة"من عليكره إلى ديوبند"عن جامعة دارالعلوم / ديوبند:
"إن ديوبند تعتبر قرية مشهورة واقعة في مديرية"سهارنبور"وهي مركز هام للدين والأدب ومن أهم شهرتها هي جامعة دار العلوم ديوبند ؛ حيث أن طلاب هذه المدرسة منتشرون في جميع بقاع العالم . وهي جامعة قديمة تأسست في أيام الحكومة البريطانية لتكون درعًا محافظًا للإسلام والحضارة الإسلامية من الانحطاط في أيدي المستعمرين، وقد قدم هؤلاء العلماء تضحيات كبيرة لتحرير البلاد من أيديهم ؛ فنالوا نصيبهم من الأذى والتعذيب وذاقوا ويلات السجن والنفي؛ فهي ليست جامعة بل هي حركة دينية وسياسية تهتم بأمور الدين والإسلام وما يتعلق بالأمور السياسية" (7) .
يعرف بأن دارالعلوم / ديوبند كانت في بداية أمرها لا تهتم إلا بالتدريس ونشاطات البحث والمناظرة فقط ، ولم تبدأ بالاهتمام بالأمور السياسية إلا في القرن العشرين ؛ ولكن يجب علينا أن نعرف بأن الجيش يجب أن يتلقى جميع فنون الحرب ومبادئه وأسسه ؛ لكي يتقن أساليب الحرب ويصبح مستعدًا للخوض في غماره ؛ حيث لايجب إرسال جيش بدون تجهيزه وتمرينه فمثل ما ظهرت حركة"الشاه ولي الله الدهلوي"و"عبد العزيز الدهلوي"التي قامت بتجهيز وإعداد حركة"سيد أحمد الشهيد"للخوض في الحرب ضد المستعمرين بكل قوة ونشاط ظهر أثر حركة"محمد قاسم النانوتوي"و"رشيد أحمد الغنغوهي"في بداية القرن العشرين على شكل حركة الكتاتيب الحريرية بقيادة"شيخ الهند محمود الحسن"وجمعية علماء الهند .
فكما يعلم الجميع بأن جامعة"دارالعلوم/ ديوبند"هي أقدم مؤسسة تعليمية إسلامية في الهند، وهي معروفة بإسهامها في حركة تحرير البلاد من براثن الاستعمار الإنجليزي الغاشم مساهمة فعالة، وكان لها دور بارز ومتميز في إثارة حركة التحرير، وإثارة الحقد والكراهية في نفوس الشعب الهندي ضد الإنجليز. ولاتزال هذه الجامعة تؤدي خدمات جليلة لخلق جو الانسجام والوئام فيما بين سكان البلاد، وإصلاح المجتمع الهندي بشكل عام والمجتمع المسلم بشكل خاص عن مظاهر الفساد والدمار وفشو الرشوة والمنكرات، والسعي لتبادر المودة والألفة فيما بين المواطنين من المسلمين والهندوس سواء بسواء. كما أن لها فضلًا كبيرًا في نشر العلوم الإسلامية والتوعية الإسلامية وإعداد الدعاة الصالحين والاحتفاظ بالتراث الإسلامي والعلوم الدينية والعقائد الإسلامية والشعائر الدينية السمحة ومتابعة المسيرة الإصلاحية في أحسن تقويم ، لتعد حقًا بمثابة نهضة حضارية عظيمة للمسلمين . وكان أبناء هذه الجامعة يدركون حقًا مسؤوليتهم تجاه الأمة ؛ فقاموا بدور مثالي في قيادة الحركات الإسلامية وإنقاذ الشعب المسلم من الجاهلية والشرك.
الهوامش:
(1) سيد محبوب رضوي، تاريخ دارالعلوم ديوبند الجزء الأول ص 139.
(2) سيد محبوب رضوي ، تاريخ العلوم ديوبند ، الجزء الأول ص 119.
(3) عبد المنعم النمر ، كفاح المسلمين في تحرير الهند ص 38.
(4) محمد عبيد الله الأسعدي القاسمي، دارالعلوم ديوبند ص89.
(5) د. محمد هاشم قدواي، جديد هندوستان كى سياسي أور سماجي أفكار ص 386.
(6) محمد عبيد الله الأسعدي القاسمي، دارالعلوم ديوبند ص65.
(7) د. أكبر رحماني، عليكره سى ديوبند تك تعليمي سفر نامه ص 112.