المقدمة الأولى: كان من الأساس الطبيعي دينًا وشرعًا، أن يكون الحديث عن فقه السلام والمُصالحة بين يدي فقه الجهاد والقتال في سبيل الله، أي أن يكون إزاء واقع يبدو فيه عَلَم الجهاد عاليًا مرفوعًا، يتناسب مع تسنّمه ذروة سنام شعائر الإسلام، لأن"السلم"حالة استثنائية تعرض للمسلمين في طريقهم وهم قائمون بفريضة الجهاد دفعًا وطلبًا، وماضون في سبيل التمكين لدين الله المرضي في كل الأرض شرقًا وغربًا، فالسلام في ذاته ليس غاية (استراتيجية) يسعى المسلمون لتحقيقها مع الكفّار، وذلك لأنّ مهمة المسلم في الحياة بعد تبصّر الحق والسير في طريق الهدى، أن يلتفت إلى التائهين من الناس من حوله، يمضي إليهم ليخرجهم من ظلمات الجهل والشرك، إلى ضياء الحقّ، ونور الإيمان. والأحكام النهائية التي تنتهي إليها حركة الجهاد الإسلامي، تصل بالنّاس في نهاية المطاف إلى ثلاثة أصناف: إمّا محاربين يحاربون، وإمّا مسلمين يدينون بدين الحق والإسلام، وإمّا أهل ذمة يعطون الجزية وهم على عهدهم ما استقاموا، وماعدا هذه الثلاثة هي حالات واقعة يسعى الإسلام إلى تغييرها حتى تنتهي إلى هذه الأوضاع الثلاثة التي تمثل العلاقات النهائية. يقول العلامة ابن القيم -رحمه الله-:"فاستقر أمر الكفّار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمّة، ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين: محارب له، وأهل ذمّة، والمحاربون له خائفون منه، فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب".
وهذا بخلاف الواقع المفروض على الأمّة اليوم من قِبَل الأعداء وأذنابهم، حيث السلام المزعوم هو المُقدّم رتبة على القتال والجهاد في سبيل الله، مع أنّ ثمّة إجماعًا بين أهل العلم قديمًا، على أنّ القتال هو أداة الدولة الإسلامية الحركية لتحطيم القوى التي تقف في وجه بسط الإسلام على العالم، فالعلاقة بين دار الإسلام والعالم هي علاقة قتالية تتقدّمها الدعوة. ولكن من المعاصرين من عَكَس الأمر بسبب التأثر بالأفكار الحديثة عن العلاقات الدولية، فرأَوْا أنّ السلم هو أساس علاقة الدولة الإسلامية (دار الإسلام) بالعالم، وعلماؤنا الأسبقون اعتبروا الجانب القتالي مُقَدّمًا على الأحكام المرحلية التي أجازت السلم مطلقًا؛ بينما رأى بعض المعاصرين أن أحكام السلم محكمة وتمسّكوا بها وأسسوا علاقة العالم الإسلامي (دار الإسلام) بالآخرين على أنّها علاقة دعوة فقط، وهذا مع الأسف نصف الحقيقة، لأن الدولة الإسلامية الحق دولة دعوة وجهاد، وبهما معًا قوام الدين كله كما قال تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس) . فمنهج الحق لا يثبت في الأرض إلاّ بالكتاب الهادي دعوة وهداية والسيف الناصر جهادًا ونكاية، وهذا ليس تسلُّطًا على مصائر البشر للإفساد كما يحلو للأعداء وأذنابهم أن يصوروه، وإنما ذلك لصلاحهم في دنياهم وآخرتهم. إن الجهاد تحتاج إليه الدولة الإسلامية الراشدة، كما يحتاج الطبيب إلى استئصال بعض ما فسد من الجسم، إبقاءً على سلامة الجسد كله من العطب والفساد، وكذلك المجاهدون يستأصلون القوة الفاسدة التي تقف في وجه الحق، وتمنع الدعوة والدعاة من أن يبلّغوا الناس دين الله الهادي إلى سواء الصراط.
المقدمة الثانية: إنّ مفهوم"السلام"من الألفاظ الشرعية القرآنية، فالواجب المحتوم علينا ما دمنا بالقرآن العظيم مؤمنين، ولمعاني مبانيه وحدوده مذعنين، أن نُسلِّم لما دلّت عليه من الأحكام دون العبث بها، أو إخضاعها لأهوائنا، ناهيك بأن تكون الكلمة ودلالتها نهَبًا لمعايير الكافرين، إنّ تصور كثير من أبناء المسلمين لأبعاد السلام ومنطلقاته نابع من المعيار الذي وضعه اليهود والنصارى، أي أعداؤنا أنفسهم. ومن عجب أنهم صاغوا لضبط علاقتنا بهم عبر المحافل الدولية التي يهيمنون عليها قسرًا وقهرًا، معيارًا للسلام له مكيالان: لنا أوكسه وأخسره، ولمن يعادينا -أيًّا كان- أرجحه وأربحه، وكم اصطلينا بنار هذا المصطلح الغربي، في كل جولة مفاوضات يكون فيها المسلمون طرفًا خصمًا برعاية المنظمات الدولية، ومع ذلك فإن ساستنا ما طاوعتهم أنفسهم أن يراجعوا هذا المفهوم، ويعودوا به إلى أصله الشرعي الذي يحفظ للأمّة مصالحها. ولكن أنى لهم ذلك ومبادئهم"كسحابة الصيف وإلمامة الطيف"يمرون على رزايا الأمّة"مرّ السحاب"دون أن يرفّ لهم جفن، ودلائل إخلاصهم لدينهم وأمتهم أبعد من مناط الثريا. وقد أتاح هذا لأعدائنا التمويه علينا دومًا بطريقة متقنة تمكّنهم من انتهاج المناهج المتعددة، مستفيدين في كل حين من تغير المناخ السياسي كاستفادة الحرباء من تنوع الألوان المحيطة بها.