ثانيا: أنّ الحصار المضروب على عرفات وعلى الإخوة من فلسطين لا يجعل الحال حال ضرورة. وهذا لا يجوَّز بحال التنازل عن شبر من أراضي المسلمين ولا الخضوع لشروط الكفار المُذِلّة، ولا المبادرة بالسلام إلى العدوّ المقاتل. ولو أراد أحد أن يستدلّ بأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم همّ في غزوة الخندق بمصالحة غطفان على ثلثي ثمار المدينة, فإنما كان قد همّ ولكنه شاور السّعديْن فقالا له: يا رسول الله إن كان الله أمرك بهذا؛ فسمعًا وطاعة، وإن كان شيء تصنعه لنا؛ فلا حاجة لنا فيه، والله لا نُعطيهم إلا السيف. فعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنّ المسلمين على استعداد لمواجهة الأعداء فنقول: هل شاور الحكام اليوم الذين يبادرون إلى السلام ويتنازلون عن أراضي المسلمين هل شاوروا شعوبهم؟ هل سألوهم: أنتم على استعداد لملاقاة اليهود ومقاتلتهم؟ الشعوب كلَّ يومٍ تنادي، وفي كل يوم يخرجون وينادون أن يُفسح لهم المجال لمقاتلة اليهود، وهذا يعني أنّ كل عهد يعقده الحكام مع أعدائنا اليهود فهو عهد منقوض. بل كيف نسالم من يقاتلنا؟ والله أمرنا ألا نسالمهم بل أمرنا أن نقاتلهم فقال جل وعلا: (فقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم) هم يقاتلوننا ونحن نسعى إليهم! ونستسلم لهم!
ومع كل ذلك ـ كما أكدت الورقة ـ فإن السلام مع اليهود جهل وهوى مهما طال الزمان ومهما انتظرنا ومهما توقعنا تغيّر اليهود السلام معهم, فالسلام مع اليهود كالحرث في الماء وكالزرع في الهواء عُجنوا بالغدر, وعلى قِدر الغدر طُبخوا، فالغدر طبعهم، والخيانة سجيتهم، وشهادة القرآن عليهم: (كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم) ، منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم الناس هذا. فكيف يُسالَم هؤلاء؟ وكيف يُعاهَد هؤلاء؟ وكيف يُطمئَنُّ إلى هؤلاء؟
ولهذا فإنّ إصرار حكام العرب المسلمين على السعي إلى اليهود بمبادرات السلام وتضمينها التنازل عن أراضي المسلمين مُفْقِدهم شرعية الإمامة، فهم شرعًا ليسوا حكامنا، لأنها مبادرات تنقض عُرى الدين والإمامة خلافةٌ للنبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به.
وفي الختام ندع توصيةً لدى المنتدى بتحريم كل عقد للسلام مع اليهود. كما نُوصي بتأكيد أنّ القضية الفلسطينية ـ قضية الأمة المحورية ـ قضية إسلامية فحينئذٍ نطالب حكامنا عن الارتفاع عن سنام الكراسي والعروش والعمل لمطالب الكروش, إلى الارتفاع إلى ذروة سنام الإسلام الجهاد. وبالجهاد إن شاء الله نحرر القدس وفلسطين.
وفي الختام أكرر شكري للأخ الأستاذ محمد عبد الكريم لهذه الورقة الناجحة الرائعة.
ونسأل الله تعالى أن يتقبل منا صالح أعمالنا, وأن يجعل عملنا خالصًا. وصلى اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا.