فهرس الكتاب

الصفحة 17576 من 27345

ومما يجدر التنبيه له هنا أن المقصود بكلية المصلحة ليس بأن تعمَّ الأمة جمعاء، بل المراد أن المصلحة المتوخاة لفئة معينة لا ينبغي أن يُنظر فيها إلى قوم منهم دون اعتبار بعضهم ممن هم شهود على هذه المصلحة، وهذا ما أكّده الإمام الزركشي -رحمه الله- في بيانه لمعنى مثال الغزالي -رحمه الله- حيث قال: » وصورة الغزالي إنما هي في أهل محلة بخصوصهم استولى عليها الكفار، لا جميع العالم . وهذا واضح « (21)

فالمصلحة الكلية هنا لا تنفي اعتبار المصلحة الجزئية؛ ولكن إذا حصل التعارض بينهما فلا يُنظر حينئذٍ إلى المصلحة الجزئية في مقابل الكلية. (22)

خامسًا: عدم تفويت المصلحة لمصلحة أهم منها أو مساوية لها.

وهذا الضابط معتبر عند تعارض المصالح في أيهما يُقدّم، ولا شك أن الذي يُقدّم هو الأهم والأولى في الاعتبار، وميزان الأهمية يرجع إلى ثلاثة أمور؛ كما ذكرها د.البوطي:

أولًا: النظر إلى قيمتها من حيث ذاتها ودرجتها في سلم المقاصد. فالضروريات لا تُقدم عليها الحاجيات أو التحسينيات، كما لا تُقدم التحسينيات على الحاجيات، وهكذا فإن كانت المصالح في درجة الأهمية في سلم المقاصد واحدة؛ ينظر حينئذٍ في:

الثاني: وهو من حيث مقدار شمولها، فالمصلحة العامة تُقدم على المصلحة الخاصة فإن كانوا في الدرجة والشمول سواء اعتبر:

ثالثًا: مدى التأكد من وقوع نتائجها من عدمه. فتُقدم الأكيدة على الظنية كما بينا سابقًا (23)

وهناك بعض المعايير المعتبرة أيضًا في تقديم بعض المصالح على بعض عند التعارض منها:

ا- أن المصلحة الدائمة أولى من المنقطعة، كما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل"متفق عليه (24)

ب- أن المصلحة المتعدية أولى من المصلحة القاصرة، مثل مصلحة العلم أولى من مصلحة العبادة.

ج- أن المصلحة الأطول نفعًا تُقدّم على المصلحة المحدودة، مثل تقديم الصدقة الجارية على غيرها (25)

يقول العز بن عبد السلام -رحمه الله-: »والوقوف على تساوي المفاسد وتفاوتها عزَّة لا يهتدى إليها إلا من وفقه الله تعالى، والوقوف على التساوي أعز من الوقوف على التفاوت، ولا يمكن ضبط المصالح والمفاسد إلا بالتقريب« (26) .

ويزيد ابن القيم -رحمه الله- هذه القاعدة توضيحًا بقوله: »فالأعمال إما أن تشتمل على مصلحة خاصة أو راجحة، وإما أن تشتمل على مفسدة خالصة أو راجحة، وإما أن تستوي مصلحتها ومفسدتها، فهذه أقسام خمسة: منها أربعة تأتي بها الشرائع؛ فتأتي بما مصلحته خالصة أو راجحة آمرة به أو مقتضية له، وما مفسدته خالصة أو راجحة فحكمها فيه النهي عنه وطلب إعدامه، فتأتي بتحصيل المصلحة الخالصة والراجحة وتكميلها بحسب الإمكان وتعطيل المفسدة الخالصة أو الراجحة أو تقليلها بحسب الإمكان. فمدار الشرائع والديانات على هذه الأقسام الأربعة« (27) .

وهذا التقديم والتأخير للمصالح أو المفاسد قد يختلف أحيانًا باختلاف أحوال الناس والعوائد وظروف الأزمنة والأمكنة، ولذلك كان من الأمور الدقيقة المهمة، والتي ينبغي فيها على المجتهد أو الناظر أن يكون في غاية التحفظ والحذر.

يقول الشنقيطي -رحمه الله-: »والتحقيق أن العمل بالمصلحة المرسلة أمر يجب فيه التحفظ غاية الحذر حتى يتحقق صحة المصلحة، وعدم معارضتها لمصلحة أرجح منها أو مفسدة أرجح منها أو مساوية لها، وعدم تأديتها إلى مفسدة في ثاني حال« (28) .

(1) المستصفى 2/139

(2) شرح الكوكب المنير 4/432

(3) مجموع الفتاوى 11/ 342

(4) انظر: الاستصلاح والمصلحة المرسلة د. الزرقا ص 39 ، السياسة الشرعية د. القرضاوي ص82 .

(5) انظر: إرشاد الفحول 3/808و809 ، الوجيز د. زيدان ص240، رفع الحرج د. الباحسين ص270، وفي ذلك يقول الإمام القرافي رحمه الله:'' وهي عند التحقيق في جميع المذاهب لأنهم يقومون ويقعدون بالمناسبة ولا يطلبون شاهدًا بالاعتبار ؛ ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلا ذلك"تنقيح الفصول ص446"

(6) انظر: الموافقات 2/9 .

(7) إعلام الموقعين 3/13 .

(8) الأحكام للآمدي 4/32 .

(9) انظر المستصفى 1/141، شرح تنقيح الفصول ص446، البحر المحيط6/78-79،تقريب الوصول ص412، شرح الكوكب المنير4/432، ضوابط المصلحة للبوطي ص110 ومابعدها.

(10) المائدة 49 .

(11) النساء 59 .

(12) المائدة 44 .

(13) انظر: الاجتهاد المعاصر د. القرضاوي ص 68-72، ضوابط المصلحة للبوطي ص120 .

المسلم المعاصر العدد 13 بعنوان: ( النص والمصلحة بين التطابق والتعارض ) .

(14) المصلحة المرسلة ص10 .

(15) المستصفى 1/ 296 .

(16) المرجع السابق 1/ 297 .

(17) انظر: درر الحكام شرح مجلة الأحكام مادة ( 1004 ) .

(18) المستصفى 1/300 .

(19) مختصر الفوائد في أحكام المقاصد ص 133و 134 .

(20) المرجع السابق 1/296، وانظر أيضًا: إرشاد الفحول ص243 ، رفع الحرج للباحسين ص 265 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت