حين يعرّض المسلم نفسه لابتلاءات قاسية فإنه يضع نفسه على حافة الخطر حيث لا ضمانة لصبره على ما جرّه لنفسه من البلاء، ولا ضمانة لنجاحه في الاختبار الصعب الذي قرر الدخول فيه. وقد رأينا الكثير الكثير من ذوي القلوب الطيبة وقد نكثوا على أعقابهم نتيجة الذل الذي صاروا إليه بسبب تحميلهم لأنفسهم ما لم يحملهم الله - تعالى- إياه، وكانت النتيجة أنهم انتهوا إلى لا شيء: لا كم ولا كيف!.
إن المثابرة إحدى الفضائل الإسلامية، وهي لا تكون أبدًا إلا إذا جعلنا أنشطتنا في إطار طاقاتنا، وإلا إذا تجنبا إرهاق الأنفس.
تقول عائشة- رضي الله عنها-:"دخل عليّ النبي - صلى الله عليه وسلم- وعندي امرأة . قال: من هذه؟ قلت: فلانة تذكر من صلاتها- أي تتحدث عن كثرة صلاتها- فقال: مه. عليكم بما تطيقون، فوالله لا يملّ الله حتى تملوا وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه".
وفي حديث مسلم عنه - صلى الله عليه وسلم-:"هلك المتنطعون"قالها ثلاثًا. والتنطع هو التعمق والتشدد في غير موضع تشديد. الشريعة الغراء تدعو إلى اليسر لأنه من أهم منطلقاتها، ولأن التجربة أثبتت أن الإيغال في أي أمر يكون في الغالب على حساب أمور أخرى؛ ومن النادر أن ترى رجلًا صرف جل اهتمامه وعنايته لأمور معينة دون أن يقع في التفريط في أمور أخرى، لا تقل في أهميتها عما يبالغ في العناية به، فالكيف كما ذكرت لا يكون إلا على حساب الكم.
في المقال القادم سأتناول بإذن الله - تعالى- بعض التطبيقات المعاصرة لمسألة خسران الأشياء التي تحمَّلها فوق طاقتها.
ومن الله الحول والطول.