وقد عدَّ النبي صلى الله عليه وسلم الأمور التي يتظالم فيها الناس فقال عليه الصلاة والسلام ( إن دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا في شَهْرِكُمْ هذا في بَلَدِكُمْ هذا ) (8) وقال صلى الله عليه وسلم ( لَا تَحَاسَدُوا ولا تَنَاجَشُوا ولا تَبَاغَضُوا ولا تَدَابَرُوا ولا يَبِعْ بَعْضُكُمْ على بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ ولا يَخْذُلُهُ ولا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى ها هنا -وَيُشِيرُ إلى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - بِحَسْبِ امْرِئٍ من الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ على الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) (9) قال ابن رجب رحمه الله تعالى:"فإذا كان المؤمنون إخوة أُمروا فيما بينهم بما يوجب تآلف القلوب واجتماعها ونهوا عما يوجب تنافر القلوب واختلافها" (10) .ا.هـ وقال رحمه الله تعالى"فتضمنت هذه النصوص كلها أن المسلم لا يحل إيصالُ الأذى إليه بوجه من الوجوه مِن قول أو فعل بغير حق" (11) ا.هـ
وقال النووي رحمه الله تعالى:"قال العلماء الخذل ترك الإعانة والنصر ومعناه إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ولم يكن له عذر شرعي ولا يحقره .. لا يحتقره فلا ينكر عليه ولا يستصغره" (12) ا.هـ
الاستعاذة بالله من الظلم
فقد كان من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم الاستعاذة بالله من الظلم فعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ( اللهم إني أَعُوذُ بِكَ من الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ وَأَعُوذُ بِكَ من أَنْ أَظْلِمَ أو أُظْلَمَ ) (13) . وقد جاء ذلك بصيغة الأمر فعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( تَعَوَّذُوا بالله مِنَ الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ وأن تَظْلِمَ أو تُظْلَمَ ) (14) قال ابن رجب رحمه الله تعالى:"فمن سلم من ظلم غيره وسلم الناس من ظلمه فقد عوفي , وعوفي الناس منه وكان بعض السلف يدعو: اللهم سلمني وسلم مني" (15) ا.هـ بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم الاستعاذة بالله من الظلم من الورد اليومي فعن زَيْدِ بن ثَابِتٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَّمَهُ دُعَاءً وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَعَاهَدَ بِهِ أَهْلَهُ كُلَّ يَوْمٍ قال ( قُلْ كُلَّ يَوْمٍ حين تُصْبِحُ لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ في يَدَيْكَ وَمِنْكَ وَبِكَ - وفيه-أعوذ بِكَ اللهم أَنْ أَظْلِمَ أو أُظْلَمَ أو اعتدي أو يُعْتَدَى علي أو أكتسب خَطِيئَةً مُحْبِطَةً أو ذَنْبًا لاَ يُغْفَرُ ) (16) بل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة بالله من الظلم كلما خرج المرء من بيته وما أكثر ما يخرج الإنسان من بيته فعن أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خَرَجَ من بَيْتِهِ قال ( بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ من أَنْ أَزِلَّ أو أَضِلَّ أو أَظْلِمَ أو أُظْلَمَ أو أَجْهَلَ أو يُجْهَلَ عَلَيَّ ) (17) فالحث على هذا الدعاء فيه إشعار ببيان خطورة الظلم بأنواعه لذا تأكد الاستعاذة بالله منه كلما خرج من بيته لأن الخروج من البيت مظنة الظلم بسبب كثرة الاختلاط بالناس على اختلاف مشاربهم وتعدد أهوائهم قال الطيبي رحمه الله تعالى:"إن الإنسان إذا خرج من منزله لا بد أن يعاشر الناس ويزاول الأمر فيخاف أن يعدل عن الصراط المستقيم فإما أن يكون في أمر الدين فلا يخلو من أن يَضل أو يُضل وإما أن يكون في أمر الدنيا فإما بسبب جريان المعاملة معهم بأن يَظلم أو يُظلم وإما بسبب الاختلاط والمصاحبة فإما أن يَجهل أو يُجهل فاستعيذ من هذه الأحوال كلها بلفظ سلسل موجز وروعي المطابقة المعنوية والمشاكلة اللفظية"ا.هـ (18) وقال المناوي رحمه الله تعالى:"أي أفعل بالناس فعل الجهال من الإيذاء والإضلال ويحتمل أن يراد بقوله أجهل أو يجهل علي الحال الذي كانت العرب عليها قبل الإسلام من الجهل بالشرائع والتفاخر بالأنساب والتعاظم بالأحساب والكبرياء والبغي ونحوها.." (19) ا.هـ
نزه تعالى نفسه عن الظلم في آيات كثيرة