فهرس الكتاب

الصفحة 17785 من 27345

وذكر ابن القيم توجيها آخر لكلام ابن عباس، فقال ـ مستنبطا من قوله رضي الله عنهما: (صوموا التاسع والعاشر، وخالفوا اليهود) ـ:"وهو يبين أن قول ابن عباس: (إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، فإذا كان يوم التاسع فأصبح صائما) أنه ليس المراد به أن عاشوراء هو التاسع، بل أمره أن يصوم اليوم التاسع قبل عاشوراء. فإن قيل: ففي آخر الحديث قيل: كذلك كان يصومه محمد صلى الله عليه وسلم؟! قال: نعم، فدل على أن المراد به نقل الصوم لا صوم يوم قبله. قيل: قد صرح ابن عباس بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع ) )، فدل على أن الذي كان يصومه هو العاشر، وابن عباس راوي الحديثين معًا، فقوله كان يصومه محمد أراد به - والله أعلم - قوله: (( لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع ) )عزم عليه، وأخبر أنه يصومه إن بقي. قال ابن عباس: هكذا كان يصومه، وصدق رضي الله عنه، هكذا كان يصومه لو بقي، فتوافقت الروايات عن ابن عباس، وعلم أن المخالفة المشار إليها بترك إفراده، بل يصام يوم قبله أو يوم بعده" ( [11] ) .

( [1] ) انظر: شرح النووي على مسلم (8/12) .

( [2] ) أخرجه الترمذي في الصوم (755) وقال:"حديث حسن صحيح"، وصححه الألباني في صحيح السنن (603) . وأخرج البزار عن عائشة رضي الله عنها مثله، قال الهيثمي في المجمع (3/189) :"رجاله رجال الصحيح".

( [3] ) عزاه السيوطي في الجامع الصغير للدارقطني والديلمي ورمز له بالصحة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3968) .

( [4] ) انظر: فتح الباري (4/245) .

( [5] ) انظر: فتح الباري (4/245) .

( [6] ) أخرجه مسلم في الصيام (1133) .

( [7] ) شرح النووي على مسلم (8/12) .

( [8] ) انظر: فتح الباري (4/245) .

( [9] ) أخرجه مسلم في الصيام (1134) .

( [10] ) فتح الباري (4/245) .

( [11] ) تهذيب السنن (3/323-324) .

ثالثًا: ما ورد في صيامه:

1-عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشّهر, يعني رمضان ( [1] ) .

قال الحافظ ابن حجر:"هذا يقتضي أنّ يوم عاشُوراء أفضلُ الأيّام للصّائم بعد رمضان, لكنّ ابن عبّاس أسند ذلك إلى علمه فليس فيه ما يرُدُّ علم غيره, وقد روى مُسلم من حديث أبي قتادة مرفُوعًا: (( إنّ صوم عاشُوراء يُكفّر سنةً, وإنّ صيام يوم عرفة يُكفّر سنتين ) )، وظاهره أنّ صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشُوراء... وإنّما جمع ابن عبّاس بين عاشُوراء ورمضان - وإن كان أحدُهُما واجبًا والآخر مندُوبًا - لاشتراكهما في حُصُول الثّواب, لأنّ معنى (يتحرّى) أي: يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرّغبة فيه" ( [2] ) .

2-وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه ) ) ( [3] ) .

3-وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهليّة, وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يصومه، فلمّا قدم المدينة صامه وأمر النّاس بصيامه، فلمّا فرض رمضان قال: (( من شاء صامه ومن شاء تركه ) ) ( [4] ) .

قال النووي:"اتفق العلماء على أن صوم يوم عاشوراء اليوم سنّة ليس بواجب... وروي عن ابن عمر كراهة قصد صومه وتعيينه بالصوم، والعلماء مجمعون على استحبابه وتعيينه" ( [5] ) .

وقال الحافظ ابن حجر:"وأمّا صيام قريش لعاشوراء فلعلّهم تلقّوه من الشّرع السّالف، ولهذا كانوا يعظّمونه بكسوة الكعبة فيه وغير ذلك. ثمّ رأيت في المجلس الثّالث من مجالس الباغنديّ الكبير عن عكرمة أنّه سئل عن ذلك فقال: أذنبت قريش ذنبا في الجاهليّة فعظم في صدورهم, فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفّر ذلك. هذا أو معناه" ( [6] ) .

4-وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: كان يوم عاشوراء تعظّمه اليهود وتتّخذه عيدا, فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (( صوموه أنتم ) ) ( [7] ) .

قال النووي:"والحاصل من مجموع الأحاديث أن يوم عاشوراء كانت الجاهلية من كفار قريش وغيرهم واليهود يصومونه، وجاء الإسلام بصيامه متأكدًا، ثم بقي صومه أخف من ذلك التأكيد، والله أعلم" ( [8] ) .

وقال أيضًا:"قال المازري: خبر اليهود غير مقبول، فيُحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم أُوحي إليه بصدقهم فيما قالوه، أو تواتر عنده النقل بذلك حتى حصل له العلم به. قال القاضي عياض ـ ردًا على المازري ـ: قد روى مسلم أن قريشًا كانت تصومه، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة صامه، فلم يحدث له بقول اليهود حكم يحتاج إلى الكلام عليه، وإنما هي صفة حال، وجواب سؤال" ( [9] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت