وقال ديورانت في كتابه (قصة الحضارة) :"إذا ما حَكَمْنا على العَظمة بما كان للعظيمِ مِن أثرٍ في الناسِ قُلنا: إنَّ محمدًا كان من أعظمِ عُظماءِ التاريخ، فلقد أخذَ على نفسِه أن يرفعَ المستوى الرُّوحِي والأخلاقي لِشَعبٍ ألقَتْ به في دياجيرِ الهمَجية حرارةُ الجو وجَدبُ الصحراء، وقد نجحَ في تحقيقِ هذا الغرضِ نجاحًا لم يُدانِهِ فيه أيُّ مُصلحٍ آخرَ في التاريخِ كلِّه. وقلَّ أنْ نجدَ إنسانًا غيرَه حقَّقَ ما كان يحلمُ به؛ ولم يكنْ ذلك لأنه هو نفسُه كان شديدَ التمسك بالدِّين وكفى، بل لأنه لم يكنْ ثمة قوةٌ غيرُ قوةِ الدِّين تدفعُ العربَ في أيامِه إلى سُلوكِ ذلك الطريقِ الذي سلَكُوه، وكانت بلادُ العرب لما بدأ الدعوةَ صحراءً جدباء، تسكنها قبائلُ من عبَدَةِ الأوثان قليلٌ عَدَدُها، متفرقةٌ كلمتُها، وكانت عند وفاتِهِِ أُمةً مُوحَّدةً مُتماسِكة. وقد كبحَ جِماحَ التعصُّبِ والخرافات، وأقام فوق اليهودية والمسيحيةِ ودينِ بلادِه القديمِ دِينًا سَهْلًا واضِحًا قويًا، وصَرْحًا خُلقيًا قِوامُه البَسالة والعِزةُ القومية. واستطاع في جيلٍ واحدٍ أن ينتصرَ في مائة معركة، وفي قرنٍ واحد أن يُنشِىءَ دولةً عظيمة، وأن يبقى إلى يومِنا هذا قوةً ذاتَ خطرٍ عظيمٍ في نصف العالم". [8]
وإذا كان بعضُ المسلِمين اليومَ لا يدرُون مِن جوانبِ عظمةِ النبيِّ محمدٍ صلى الله عليه وسلم إلا أنه صادقٌ أمينٌ؛ فقد أنطقَ الله عزَّ وجلَّ رِجالًا لا يَدِينُون بالإسلامِ بالشهادةِ لنبيِّنا صلى الله عليه وسلم بأنه كان مُربِّيًا صالِحًا ومُعلِّمًا ناصِحًا ومُصلِحًا اجتماعياًّ ناجِحًا وقائدًا حكيمًا مُوَفَّقًا! وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43) (الرعد 43) 0 فقد قال مونتغمري وات في كتابه (محمد في مكة) :"كلما فكَّرْنا في تاريخِ محمد وتاريخِ أوائل الإسلام تَملَّكَنا الذهولُ أمامَ عظمةِ مثلِ هذا العمل. ولا شك أنَّ الظروفَ كانت مُواتِيةً لمحمد؛ فأتاحت له فُرصًا للنجاح لم تُتِحْها لسوى القليلِ من الرجال غير أنَّ الرجلَ كان على مستوى الظروفِ تمامًا. فلو لم يكنْ نبيًًّا ورجلَ دولةٍ وإدارة، ولو لم يضَعْ ثِقَتَه بالله ويقتنِعْ بشكلٍ ثابتٍ أنَّ الله أرسلَه؛ لَما كتبَ فَصلًا مُهِمًًّا في تاريخِ الإنسانية. ولي أملٌ أنَّ هذه الدراسةَ عن حياةِ محمدٍ يُمْكِنُها أنْ تُساعِدَ على إثارةِ الاهتمامِ من جديدٍ برجلٍ هو أعظمُ رِجالِ أبناءِ آدم". [9]
ورَحِم الله أبا العتاهية حيث قال:
وَالناسُ يَبتَدِعونَ في أَهوائِهِم ** بِدَعًا فَقَد قَعَدوا بِهِنَّ وَقاموا
وَمُحَمَّدٌ لَكَ إِن سَلَكتَ سَبيلَهُ ** في كُلِّ خَيرٍ قائِدٌ وَإِمامُ!
[1] محمد في مكة لمونتغمري وات ص94.
[2] الخالدون مائة، مايكل هارت، ص33. تصنيف لأكثر الأشخاص تأثيرًا في التاريخ. نيويورك شركة هارت للنشر سنة 1978.
[3] محمد رسول الله لاينين دينيه ص 323.
[4] مختصر دراسة التاريخ لأرنولد توينبي 10/381.
[5] ذكره الكاتب المغربي إدريس الكنبوري في(النبي صلى الله عليه وسلم كما تحدث عنه المنصفون والعقلاء في الغرب:
الاعتراف بعالمية الإسلام وفضل رسوله على البشرية والحضارة الغربية). موقع صيد الفوائد.
[6] موجز تاريخ العالم لولز ص200-201.
[7] في خطى محمد لنصري سلهب ص 196. دار الكتاب العربي، بيروت 1970م.
[8] قصة الحضارة لديورانت 13/47.
[9] محمد في مكة لمونتغمري وات ص512.