فهرس الكتاب

الصفحة 17985 من 27345

يقول العلامة السعدي معلقًا على قوله تعالى (فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) :"أي: فأولى لهم أن يمتثلوا الأمر الحاضر المحتم عليهم ، ويجمعوا عليه همهم ، ولا يطلبوا أن يشرع لهم ما هو شاق عليهم ، وليفرحوا بعافية الله تعالى وعفوه (فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ) أي: جاءهم أمر جد ، وأمر محتم ، ففي هذه الحال ، لو صدقوا الله بالاستعانة به ، وبذل الجهد في امتثاله (لكان خيرًا لهم ) من حالهم الأولى، وذلك من وجوه:"

منها: أن العبد ناقص من كل وجه، لا قدرة له إلا أن أعانه الله ، فلا يطلب زيادة على ما هو قائم بصدده .

ومنها ـ وهذا هو الشاهد ـ: أنه إذا تعلقت نفسه بالمستقبل ، ضعف عن العمل بوظيفة وقته ، وبوظيفة المستقبل ، أما الحال: فلأن الهمة انتقلت عنه إلى غيره ، والعمل تبع للهمة، وأما المستقبل: فإنه لا يجيء حتى تفتر الهمة عن نشاطها فلا يعان عليه .

ومنها: أن العبد المؤمل للآمال المستقبلة ـ مع كسله عن عمل الوقت الحاضر ـ شبيه بالمتألي، الذي يجزم بقدرته على ما يستقبل من أموره ، فأحرى به أن يخذل ، ولا يقوم بما همّ به، ووطن نفسه عليه ، فالذي ينبغي أن يجمع العبد همه وفكرته ونشاطه على وقته الحاضر ، ويؤدي وظيفته بحسب قدرته، ثم كلما جاء وقت استقبله بنشاط وهمة عالية مجتمعة غير متفرقة، مستعينًا بربه في ذلك، فهذا حريّ بالتوفيق والتسديد في جميع أموره"انتهى كلامه رحمه الله."

وحذرًا من مغبة الانهماك خلف هذه العقدة ، والأماني العريضة ، يأتي القرآن الكريم ـ أيضًا ـ محذرًا أهل الأموال ـ الراغبين في الصدقة ـ من الاسترسال وراء هذه الأماني؛ فيقول سبحانه: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) [المنافقون:10] ، وهذا معنى الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-:"ولا تمهل ـ أي تتأخر في التصدق ـ حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قلت: لفلان كذا ، ولفلان كذا ، ألا وقد كان لفلان".

وبعد هذا الاستعراض لهذه النماذج التي سجلها القرآن على أصحابها، يحسن بنا الوقوف على أسباب وجود هذه (العقدة) ، وفي ثنايا ذلك الحديث عن علاجها، وذلك في الحلقة الثانية بإذن الله

كانت المقالة الأولى تأصيلًا لهذه القضية من خلال النماذج التي حفظها القرآن والسنة، أو الصور التي يمكن أن تتكرر على مر العصور، ولكي تتجلى الصورة بشكل أكثر، فسأذكر نماذج لتلك الصور التي سمعناها أو سمعنا بها في عصرنا، ثم أردف ذلك بالحديث عن أسباب وجود هذه المشكلة.

ولتكن هذه النماذج في محيط شداة الإصلاح، ومن سلك طريق الخير، إلا أنه يعيش ـ شعر أم لم يشعر ـ في دوامة هذه العقدة؛ لأن الأمة تعول عليهم أكثر من غيرهم، فيقال:

لا تكاد تخطئ عينك ـ بحمد الله ـ شبابًا تحترق نفوسهم، وتذوب كبودهم كمدًا على واقع الأمة، وخوفًا على مستقبلها، إلا أنهم ـ عند التأمل فيما قدموه ـ سلبيون حتى في خاصة أنفسهم، ولربما سمعت عقدة ( لولا ) تترد بلسان الحال أو المقال ـ أحيانًا ـ على ألسنتهم.

وما دمنا على أبواب هذا الشهر الكريم، وفي أول أيامه؛ فليكن المثال الأول في هذا الموضوع، فإنك لن تعدم أن تسمع ما يؤكد لك تغلغل هذه المشكلة في نفوس الكثيرين، فقد تستمع لمن يحدثك عن برنامجه الرمضاني، وماذا خطط له؟ فإذا جاء الشهر المبارك لم تكد تفرق بين يومه ويوم عامة الناس؛ بل ربما كان يوم العامي أحسن من يومه، حتى إذا جاء أوسط الشهر؛ علق آماله بالعشر الأواخر، فإذا جاءت العشر مرّت مرور الكرام؛ بل مرور الغافلين، حتى إذا كان في آخر ليلة من الشهر، أطلق تلك الزفرات التي تعلن عن الأسى والحزن على فوات الشهر، وتصرم أيامه ولياليه، ثم تبدأ هنا عقدة العمل الغائب عنده، بتمنية النفس برمضان القادم، وهناك يطلق لخياله العنان ليسبح في بحر من الأماني، التي هي رأس أموال المفاليس!.

وإذا قلبت صفحة أخرى في هذه النماذج، وجدتَ أن من جملة من أصيب بهذه العقدة كثير من خريجي الكليات الشرعية، والمحاضن التربوية، الذين كانوا يخططون في أذهانهم أنهم إذا تخرجوا سيفعلون ويفعلون، حتى إذا تهيأت لأحدهم الوظيفة التي تكفل له سببًا من أسباب الرزق، صار هذا غاية مناه، ومنتهى أمله. والميدان هو البرهان، وحسبك أن تقارن أعداد المتخرجين في هذه الكليات والمحاضن بعدد العاملين في الساحة، فستجد أن الأمر محزن جدًا.

وعودًا إلى أسباب وجود هذه العقدة عند البعض، فإني أجملها في الأسباب الآتية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت