فهرس الكتاب

الصفحة 18070 من 27345

وكان الكاساني متمكنًا من علمه معتدًا بنفسه وفي أوج شبابه، وقد جرت بينه وبين فقيه من كبار فقهاء الدولة السلجوقية يعرف بالشعراني مناظرة في مسألة المجتهدين هل هما مصيبان أم أحدهما مخطئ، فقال الشعراني: المنقول عن أبي حنيفة رضي الله عنه أن كل مجتهد مصيب، فقال الكاساني: لا بل الصحيح عن أبي حنيفة: إن المجتهدين مصيب ومخطئ، والحق في جهة واحدة، وهذا الذي تقوله مذهب المعتزلة، واشتد بينهما الكلام في ذلك، وانتهت إلى أن احتد الكاساني ورفع عصاه فأشار بها إلى ذلك الفقيه، وقد وصل خبر ما حدث إلى السلطان مسعود فانزعج من هذا التصرف المخالف للعادة والعرف في احترام قواعد المناظرة مع فقيه من فقهاء دولته وفي سلطانه، لكنه مع ذلك لم يقل للكاساني ما يكرهه تقديرًا لغزارة علمه وتمكنه، ولكن الملك قال لوزيره: لقد افتأت الكاساني على الرجل فاصرفه عنا، فقال الوزير: هذا شيخ جليل وله حرمة ولا ينبغي أن يصرف بل ننفذه رسولا إلى نور الدين محمود بن زنكي ونتخلص منه بهذا الطريق، فأرسله بعد فترة رسولًا إلى نور الدين محمود بن زنكي الشهيد في حلب

وكان نور الدين يبحث عن عالم ليوليه أمر المدرسة الحلاوية، وكان قد ولاها من قبل الإمام رضي الدين محمد بن محمد السرخسي صاحب كتاب المحيط الرضوي في الفقه والذي بلغ أربعين مجلدًا عندما جاء إلى حلب، وكان السرخسي إمامًا جليلًا كما تشهد تآليفه، ولكن كانت في لسانه لكنة، فتعصب عليه جماعة من الفقهاء الحنفية بحلب، وصغروا أمره عند نور الدين إلى أن عزله عن التدريس بها فتوجه إلى دمشق، وكتب نور الدين إلى تاج الشريعة عالي بن إبراهيم بن إسماعيل الغزنوي وكان بالموصل ليقدم حلب ويتولى تدريس المدرسة.

ونقف هنا لنتأمل كيف اجتذبت عاصمة الثقافة الإسلامية في هذه الحقبة عالمًا من كاسان في أوزبكستان كان في قونية، وعالمًا من مدينة سرخس في شمالي شرقي إيران اليوم قرب حدود تركمانستان، وعالمًا من غزنة في شرقي أفغانستان كان في الموصل، وهذا كله أنموذج بسيط للتبادل العلمي والثقافي الذي نعمت به مدينة حلب في تاريخها العريق، والذي يعرفه تمام المعرفة من قرأ التاريخ واستوعب دروسه.

ولما وصل الكاساني رسولا من السلطان مسعود إلى نور الدين لقي في نفسه قبولًا واحترمه وأكرمه، أعجب فقهاء حلب بالكاساني وسعة علمه، واجتمع فقهاء المدرسة الحلاوية وطلبوا من نور الدين أن يوليه التدريس بالمدرسة، فعرض نور الدين عليه ذلك، فدخل المدرسة ورآها فأعجبته وأجاب نور الدين إلى ما عرضه عليه، ولكن الشيخ قال لنور الدين الشهيد: هذه الرسالة أمانة معي فإذا أعدت الجواب إليهم عدت بعد ذلك، وقدمت حلب، وصدر أمر نور الدين بتعيين الكاساني في المدرسة، وبسطت له سجادة التدريس بالمدرسة وكانت تبسط كل يوم وهو غائب ويجتمع الفقهاء حولها في لفتة رمزية تعبر عن الحب والتقدير، وعاد الكاساني بجواب الرسالة إلى السلطان السلجوقي، ولكن ليس قبل أن يحضه نقيب الأشراف فيها الشريف أبو طالب أحمد بن محمد على سرعة العودة إلى حلب.

وعندما عاد الكاساني إلى حلب واقترب منها وصل الخبر بوصوله إليها فخرجت جماعة عظيمة من الفقهاء إلى لقائه إلى باب بزاعا (أي مدينة الباب) ، ويبدو أن استقبال القادم خارج المدينة عادة حلبية عريقة، ويروي خليفة بن سليمان أحد مشايخ حلب قصة وصول الكاساني وكيف تضافرت جهود العلماء ليسبق الغزنوي ويحل بالمدرسة الحلاوية فيقول: كنت إذ ذاك صبيا صغيرا، فخرجت مع والدي فيمن خرج، فعهدي بالشيخ الكاساني والفقهاء مجتمعون حوله، وأقام ذلك اليوم بباب بزاعا على عزم الدخول صبيحة تلك الليلة، فجاءه في أثناء النهار رجل من الفقهاء وقال له: عبر ها هنا رجل شيخ فقيه ومعه جماعة من الفقهاء، وقالوا: هذا عالي الغزنوي وقد جاء إلى حلب لأخذ المدرسة، فقال النجيب محمد بن سعد الله بن الوزان وجماعة غيره من الفقهاء للكاساني: المصلحة أن نقوم وندخل إلى حلب، فقام وسار فوصل حلب بكرة، وكان عالي قد وصلها عصر اليوم السابق، ونزل بالحجرة، فوصل الكاساني ودخل المدرسة والفقهاء حوله، فأرسل الفقهاء إلى عالي وقالوا له: تقوم وتخرج لأجل الشيخ، فامتنع فأعادوا له القول ثانيا، وقالوا: المصلحة أنك تخرج بحرمتك وإلا يدخل من يخرجك قسرًا بغير اختيارك، فلما رأى الجد في ذلك خرج من الحجرة ومضى إلى حجرة صغيرة كانت في جانب المدرسة فنزلها. جرى كل هذا ونور الدين إذ ذاك غائب عن حلب فكوتب في ذلك فولى الكاساني المدرسة الحلاوية، وولى عالي الغزنوي مدرسة الحدادين في دمشق.

أكرم نور الدين الشهيد الإمام الكاساني وولاه التدريس بالمدرسة الحلاوية المعروفة بمسجد السراجين، وفوض إليه نظرها، وزاوية الحديث بالشرقية بالمسجد الجامع، فحدث بالزاوية المذكورة عند خزانة الكتب، ودرس بالمدرسة الحلاوية وبالجاولية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت