وما ينبغي لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يقول الشعر ، فما جاء لتسلية الناس ولا لمدح الملوك ، ووصف الديار والبكاء على الآثار ، بل أتي ـ بنفسي هو ـ لغسل الضمير من أوضار الشرك ، وتطهير الروح من دنس الوثينة ، وعمارة الكون بالإيمان ، فأنفاسه تعد ، وثواني عمره تحسب ؛ لأن مهمته لا تحمل التأخير فهو مبعوث من الخالق إلى الخلق برسالة محمدية عنوانها لا إله إلا الله محمد رسول الله . العاطفية والتسليات لهو تعطيل لهذه الرسالة عن أداء مهمتها وتفريغ لها من محتواها الجلي العامر .
إن مع محمد صلى الله عليه وسلم ما هو أجمل من الشعر ، وأبهى من الأدب ، وأحسن من الحسن ، ألا هو هذا الكتاب الباهر المعجز الذي أسكت الشعراء ، وأفحم الأدباء ، وأذهل العلماء ، وحير العرب العرباء:
إذا تغلغل فكر المرء في طرف
من حسنه غرقت فيه خواطره
(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)
نحن نقص عليك فدع قصص غيرنا ، ولا تلفت إلى قصص سوانا ؛ لأن قصصنا هو الحق الصريح والعلم الصحيح ، قصص تسكب في النفس نهرا من النور ، وفي الضمير وابلا من الرشد ، قصص ليس كقصص البشر الذي يعتريه ضعف النقل ، أو شذوذ الغرابة ، أو جموح الخيال ، أو مخالفة المعهود ، ومناقضة سنة الكون .
يروى في بعض الآثار أن الصحابة قالوا: يا رسول الله ، لو قصصت علينا ، فأنزل الله: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) وقالوا: لو حدثتنا فأنزل: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيث) وقالوا: لو وعظتنا ، فأنزل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) .
إن في عالم المعرفة اليوم آلاف القصص بكل لغات البشر ، ولكنها عرضة للتحريف والتزييف والزيادة والنقص ، ثم إنها ليست قطعية في ثبوتها ولا دقيقة في نقلها مع ما يكتنفها من تهويل وتضخيم وتكلف وافتعال ، فبعضها لا حقيقة لها إلا في عقول مصنفيها ، وبعضها له أصل ولكنه أضيف إليه أضعافا مضاعفة من المبالغة حتى مسخ الأصل وشوه ، وبعضها ثابت لكن قدم بأسلوب فاتر وعرض بعرض مشلول .
أما هذه القصة وأمثالها من قصص القرآن فيكفيها سموا وجلالا ورفعة أن الله هو الذي يقصها على عبده المصطفى وحبيبه المجتبى صلى الله عليه وسلم .
وفي قوله: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ ) تنبيه على الاتجاه إلى مصدر المعرفة ومنبع الحقيقة ، والمسلم يتلقى علمه وثقافته من هذا الكتاب الجليل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خافه تنزيل من حكيم حميد . وما أدري كيف يصلح شأن أمة تستورد قصصها من مروجي المكر ، وساسة الخداع ، وسماسرة الرذيلة ، وكيف يهتدي جيلها وهو يطاله زبد تلك الأقلام الكافرة بربها ، العاقة لفطرتها ، المتنكرة لمبادئها ؟ !
ولن نقص عليك قصصا فحسب بل أحسن القصص ، ويرى بعض أهل العلم أن أحسن القصص هنا هي قصص القرآن كله ، فقصصه بالنسبة لعامة القصص أحسن قصص وأوثقها وأجملها وأكملها .
ومن أهل العلم من قال: بل المقصود بأحسن القصص قصة يوسف ؛ لأنها مذكورة في السياق المقدم لها بهذا الاحتفال والتنبيه .
وإن قصة يوسف أحسن قصة بالنسبة لما يماثلها في غرضها ومعناها ، بل كل قصة في القرآن أحسن وأجل من مثيلاتها في غير القرآن ، وقصة يوسف أحسن قصة ، لأن فيها مقاصد الهداية ومعاني الإصلاح وأسرار الفلاح ما يفوق الوصف .
فقصص الناس إما قصة بطولية تهيج النفس الغضبية على الاعتداء وطلب الثأر وحب الانتقام بلا ضوابط ولا أصول ، وإما قصة غرامية تشعل الغريزة وتحرك كوامن الشهوة بلا رادع من تقوى ، ولا وازع من عفاف ، ولا حجاب من صيانة ، وإما قصة غابرة بلا ثقة من ناقل ، ولا اطمئنان إلى صدق ، ولا مراعاة للحقيقة .
قصة يوسف فيها دروس تربوية ترتقي بالنفس في سلم الفضيلة ، وتصعد بالروح في معارج الكمال .
في القصة كيف تكون خاتمة من آمن بالله ، وصدق معه ، وأخلص له ، وصبر على أمره ، ودعا إليه ، وجاهد في سبيله . وفي القصة نهاية المكر ، وعاقبة الكيد المحرم ، والحسد المؤذي ، وفيها انتظار الفرج وحسن الظن بالله ، والفأل الحسن والاستكانة إلى موعوده ، والرضا بأمره ، والسكون إلى اختياره ، والاطمئنان إلى جميل صنعه .
وفيها جلال التقوى ، وجمال العفة ، وحسن مراقبة الله ، وإيثار طاعته والانتصار على النفس الأمارة بالهوى الجارف والشباب المجنح .
في قصة يوسف رؤيا تفسر ، وأحلام تعبر النبي صلي الله عليه وسلم وأمثال تضرب ، وعظات تطرق ودروس تلقى .
في القصة قميص يلطخ بدم ، وقميص يقد من دبر ، وقميص يلقى على الأعمى فيرتد بصيرا .