فهرس الكتاب

الصفحة 18280 من 27345

لقد كان جزاء الصبية أن عمر لم يكن غائبا كما ظنت أمها ، بل كان حاضرا يسمع ، وينصت لقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، يعس بالمدينة ، وقد أخذ منه التعب مأخذه ، فاتكأ على جدار ذلك البيت الذي فيه الصبية قبل أن تحاور أمها ، والليل في سكون تام ، يريد أن يأخذ قسطا من الراحة ، وكانت بيوت المدينة كما تعلمون في ذلك الزمن صغيرة ، لا موانع للصوت أو للحرارة فيها ، فلما وضع رأسه على الجدار سمع ما دار بين البنت وأمها من حوار ، فلما انتهتا ، وقالت البنية مقالتها تلك ، وهو يسمع ، قال: يا أسلم ، وهو راوي القصة ، علم الباب واعرف الموضع ، ثم مضى في عسسه ، فلما أصبح قال: يا أسلم امض إلى ذلك الموضع فانظر من القائلة ، ومن المقول لها ، وهل لهم من بعل ؟ فأتى أسلم الموضع فنظر ، فإذا الجارية أيم لا بعل لها ، وإذا تيك أمها ، وإذا ليس لهم رجل ، فأتى عمر فأخبره ، فدعا عمر ولده فجمعهم ، فقال: هل فيكم من يحتاج إلى امرأة أزوجه ؟ ولو كان بأبيكم حركة إلى النساء ما سبقه أحد منكم إلى هذه الجارية . فقال ابنه عاصم: يا أبتاه لا زوجة لي فزوجني ، فبعث إلى الجارية فزوجها من عاصم ، فولدت لعاصم بنتا ، وولدت البنت عمر بن عبدالعزيز رحمه الله .

فانظر يا من يهمك أمر الأمة ، وتسعى لصلاح وإصلاح الأمة ، وتشكو من ضعف وهوان الأمة ، صلاحك هو صلاح الأمة ، أنت أول لبنات الأمة ، فلا تنتظر أحدا قبلك ، ولا تصلح أحدا قبل صلاح نفسك ، ولا تلم أحدا غيرك ، وثق تماما أن الأمة حتما ستصلح ، وتعز ، وتنهض ، فابدأ بنفسك ، داو جرحك ، قوم اعوجاجك ، راقب ربك في تصرفاتك ، في خلواتك ، في جميع أحوالك ، ليكن خوفك من رب عمر ، لا من عمر ولا من منادي عمر ، وإياك أن تفعل في الخلا ، ما تفاخر بتركه في الملا .

أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث عياض بن حمار قول النبي صلى الله عليه وسلم: أهل النار خمسة ، وذكر منهم: رجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك .

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ما أخذ العبد ما حرم عليه إلا من جهتين:

إحداهما: سوء ظنه بربه ، وأنه لو أطاعه وآثره لم يعطه خيرا منه حلالا . والثانية: أن يكون عالما بذلك ، وأن من ترك لله شيئا أعاضه خيرا منه ، ولكن تغلب شهوته صبره ، وهواه عقله .

فالأول من ضعف علمه ، والثاني من ضعف عقله وبصيرته . انتهى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت