فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
"إن من كان قبلكم كان يؤتى به فيربط على شجرة ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق نصفين وكان يمشط ما دون لحمه وعظمه بأمشاط الحديد، ما يصدُّه ذلك عن دين الله والله ليتمنًّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى الحيرة لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون".
إن هذا الأمر سيتم؛ هذه بشارة متى كانت هل كان في الحساب ما يشجع على إطلاقها هكذا بكل هذه الثقة وبكل هذه الطمأنينة إلى تحقيق وعد الله تبارك وتعالى لم يكن في الجو شيء يشير إلى قرب انفراج الأزمة وإلى قرب تحسن الأحوال ومع ذلك فالنبي عليه السلام يؤكد إتمام الله لهذا الأمر ويؤكد من ناحية أخرى أن سنة الله مع الدعاة مضت أن النصر يأتي في أعقاب الصبر، وأن الصبر ليس كلامًا يقال ولكنه معاناة واحتمال وأن الاستعجال وتعجل الثمار وتعجل النصر ليس من شيم المؤمنين ولا من طباع المتقين.
كان الأصحاب ينظرون إلى مكة ويرغبون لو تنفرج الأحوال في مكة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمتد بنظره في الآفاق أيضًا حينما هاجر النبي صلى الله عليه وآله من مكة إلى المدينة هاجر الأصحاب مستخفين فارين بدينهم لائذين بالله تبارك وتعالى وخرج النبي عليه الصلاة والسلام مستخفيًا كذلك كما تعلمون رصدت قريش رصدها في الطريق ووضعت الجوائز وبثَّت العيون والأرصاد، وبعثت الجواسيس في كل مكان تتعقب النبي صلى الله عليه وسلم تريد أخذه حيًا أو ميتًا في هذه الأثناء وحين كان النبي صلى الله عليه وسلم يمضي في طريقه إلى المدينة أدركه طلب قريش أدركه سراقة بن جعشم طامعًا في الجائزة راغبًا ومصممًا على أخذ النبي صلى الله عليه وسلم وإعادته إلى قريش وكان ما كان وحين أمن النبي صلى الله عليه وسلم سراقة هذا استدناه وقال له: يا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى"؟"
استغرب الرجل قال يا رسول الله كسرى بن هرمز.
قال نعم كسرى بن هرمز.
من الذي يقول هذا الكلام رجل مطارد تثور من حوله عواصف الزمان فتتجاوب معها عواصف القلوب، قلوب الأعداء وتطلبه تحت كل كوكب لتفتك به، لم يستقر بعد في المدينة وأصحابه ما زالوا قلة ومع ذلك يطلق هذه البشارة الخطيرة:
"كيف بك إذا لبست سواري كسرى"؟
أين هذا الكلام من واقع الحال، لو أن رجلًا قاله غير محمد صلى الله عليه وسلم لرمي بالجنون واتهم بالتخريف ولكنه محمد صلوات الله وسلامه عليه وتمضي الأيام تتبعها السنون ويختار الله محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى دار كرامته ويقوم أبو بكر ويختاره الله إلى جواره ويقوم عمر وتبعث البعوث إلى العراق لتدك ملك كسرى وتأتي أسلاب العرش الكسروي إلى المدينة بعد أن تم افتتاح المدائن وينظر عمر أمير المؤمنين فيلمح سواري كسرى تدمع عيناه للبشريات التي قيلت في أحلك الظروف وتدمع عيناه لما هو أهم لتلك الرفقة الطويلة مع محمد صلى الله عليه وسلم، كيف كان يقود وكيف كان يسوس وأية ثقة تلك التي كان يملكها ذلك الإنسان؛ فينادي في الناس:
"أفيكم سراقة"؟
يقول: نعم ها أنا ذا يا أمير المؤمنين.
يقول عمر تعال فالبس سواري كسرى.
تحقيقًا لموعود رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأتي الرجل يرفع يديه ويلبس سواري ثاني عاهلين في العالم القديم على الإطلاق ويقول:
"الحمد لله الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة بن جعشم أعرابيًا من بني مدلج".
كيف يكون هذا؟ كيف يتحقق لو لم يكن الرسول صلى الله عليه وآله واثقًا أعظم الثقة بوعد الله تبارك وتعالى، وبأن الله الذي اختاره للرسالة واختار هذه الأمة لحمل هذه الأمانة، ولن يضيع هذه الرسالة ولن يضيع هذه الأمة ما حملت هذه الرسالة أيضًا.
بعد أن استقر المسلمون في المدينة واشتد كَلَبُ وقريش من حولهم من الأعراب، وحاولوا الانقضاض على المدينة للفتك بالمسلمين والخلاص منهم مرة واحدة، كان ما يعرف بغزوة الأحزاب وبإشارة من سلمان رضي الله عنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق حول المدينة.. نوع من التحصين وبينما المسلمون يذهبون ويدأبون بعملهم هذا، اعترضتهم صخرة حاولوا كسرها وتفتيتها فما أفلحوا فجاءوا يبسطون أمرها للنبي صلى الله عليه وسلم قالوا له يا رسول الله قد أكلت المعاول فأخذ معولًا ونزل في الخندق وضرب الصخرة للمرة الأولى فتطاير بعضها وتطاير معه شرر فصاح الله أكبر فُتحت فارس ثم ضربها ثانية فانكسرت وتطاير منها شرر وقال الله أكبر فتحت الشام، ثم ضربها الثالثة فتفتت وتطاير منها شرر فصاح الله أكبر فتحت مصر، في أي موقف كان هذا الكلام؟ كان المسلمون محصورين وكان المنافقون يرجفون في المدينة أن الإسلام قد قضي عليه:
(وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا) .
كما قص الله جل وعلا في سورة الأحزاب؛ ومتى؟ في وقت اشتدت فيه الحال وتأزم الموقف. المسلمون..! إنهم يكادون يتخطفون من أرضهم:
(وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا) .