"حين استشهد حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فوقف على منظر لم يُرَ منظرٌ أوجع للقلب منه رأى عمه الحمزة وقد مُثِّل به ورأى منظرًا هائلًا فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ما وقفت موقفًا أغيط عليَّ من هذا الموقف، ثم قال؛ لله علي لأمثلنَّ بسبعين منهم كميتتك".
في ذلك الموقف الذي استجاش الشعور الإنسانيَّ كله، العم الكريم الذي حمى والذي دافع والذي بَذَلَ والذي نَصَرَ مُمثلٌ به ومن حوله سبعون من الأصحاب، تلك النبتات الطيبة الطاهرة الكريمة التي تعب عليها محمد صلى الله عليه وسلم تعبًا هائلًا مُجَنْدلةٌ على الأرض؛ أي قلب لا يتفطر لمنظر كهذا أي قلب؟ مع ذلك فقانون الإسلام غير قانون العواطف البشرية، ليست المسألة أن نثور وإنما المسألة أن نصبر إن الوحي لم يمهل رسول الله حتى في هذا الموقف العصيب جاءه جبريل يقرأ عليه قول الله تبارك وتعالى:
(وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون) .
فكفر النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه، ولم يقف بعدها موقفًا إلا وهو ينهى عن المِثْلة يعني التمثيل بجثث الأموات. انقلوا أنفسكم شيئًا ما من هذه المعركة معركة أحد من الذي كان العنصر الأساسي في قلب موازين المعركة. من؟ خالد بن الوليد هو الذي كَرَّ بخيله على جيش المسلمين على الرماة فشتتهم وفتك بهم وأغار على المسلمين فأوقع بهم الكسرة الفظيعة؛ خالد هذا تمضي الأيام و قبيل فتح مكة يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسلم خالد بطل المعركة التي قتل فيها الحمزة.. بطل المعركة التي نكل فيها بالمسلمين بطل المعركة التي حلت فيها الكسرة على المسلمين يأتي ليسلم يقول خالد في روايته كما رواها ابن كثير في البداية والنهاية يقول:
"فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم بَشَّ في وجهي وابتسم فلما دنوت قال يا خالد قد كنت أعرف لك عقلًا وأنا أظن أن عقلك لن يبعد بك عن الإسلام".
يا أرباب العقول افهموا هذا الكلام إن أرباب العقول يعرفون أن هذا الدين لا يمكن أن يقف في وجهه أي تفكير بشري على الإطلاق، إن التفكير البشري في مواجهة هذا الدين هراء وسخف لا يصح أن يقف الإنسان عنده..
فتلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عتاب ولا عقاب ولا وضع في إطار الحزب كي نجعله نصيرًا ولا وضع له تحت الاختبار وإنما توليةً له بصورة مباشرة؛ ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المعارك وسماه من تلك الساعة سيف الله جل وعلا أين ذهبت الآلام وأين ذهبت الدماء وأين ذهبت الدموع نحن لا ثأر لنا مع الناس أبدًا، إن تصور أحدٌ أن الإسلام يمكن أن ينمو ويمكن أن يزكو مع بروز عوامل الثأر ومع بروز نوازع الشخصية فهو واهم وهو مخطئ بل هو مجرم إن الإسلام لا يريد دماء الناس ولكن يريد قلوب الناس وكل ذي قلب وكل ذي عقل مع المراوضة مع المصابرة ومع مصابرة الدعاة على دعوتهم ومع نفض الغبار عنها وإخراجها من الأقبية وتعريضها لنور الشمس والصبر على تكاليفها يتنزل نصر الله ويأتي الفتح.
أما إذا أردنا أن نتقوقع وأن نسيء الظن بالمجتمع ونسيء الظن بالناس فلن نفعل شيئًا على الإطلاق طيب تعالوا نحاكم المسألة بصراحة إن المجتمع الذي نعيش فيه مجتمع شارد مغفل مغرَّر به وعلى مقدار ما ننام سوف يستمر التغرير ويستمر الاستغفال وحين نصحو تنتهي هذه المهزلة وصحوتنا تتمثل في إعلان ديننا، وإعلان ثباتنا وصبرنا على ديننا وعدم المساومة في ذلك وليكن بعد ذلك ما يكون الثمن لا بد من دفعه شئنا أم أبينا أردنا أم لم نرد أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا لا بد من أن ندفع الثمن وهذا الثمن جزء متمم من بناء الشخصية التي ستؤهل لحمل رسالة الإسلام والذي يتصور أنه يمكن أن يحرق المراحل وأن يقفز من فوق الآلام والعذاب فهو مخطئ لا بد من الاكتواء بنار الألم والعذاب فنحن حينما نخاصم لا نخاصم الأشخاص كما قلت سابقًا إنما نخاصم الوقائع وعملنا يهدف إلى تغيير الشروط الاجتماعية التي ولدت وسببت انحرافات الناس حينما نلغي هذه الشروط نجعل الناس يقفون أمام الحقيقة وجهًا لوجه.
يا إخواننا يا شبابنا يا أحبابنا هذا ما أردت أن أودع به هذا الموقف أمانة أحملها من عنقي لأضعها في عنق كل عاقل منكم هذا الإسلام أمانة الله عندنا وهو أمانة غالية أغلى من الروح وأغلى من الدم وأغلى من المال وأغلى من الولد وهذه الأمانة لها مقتضياتها ولها الجو النفسي والروحي والشعوري الذي نتحرك فيه ونحن لنا من سوابق التاريخ تاريخنا الناصع النضير ما يعيننا على أن نتنفس في جو أرحب وأمتع وأسلم من هذا الذي لمّا نزل نتنفس فيه.
علينا أن ننفض الغبار عن كل مسالكنا.
علينا أن نعيد النظر في كل مناهجنا.
وعلينا أن نفهم أن أول الطريق إعلان.
وأوسط الطريق ثبات.
وآخر الطريق نصر من الله تبارك وتعالى.