ويُصَرِّح ابن الأنباري في مقدمة كتابه"الأضداد"بالدافع الرئيس الذي دفعه إلى تأليف كتابه، فهو خدمة تفسير القرآن ومحاولة الدفاع عمَّا وُجِّه إلى لغته وأسلوبه من التناقض والإحالة، ويقول: « هذا كتابُ ذِكْرِ الحروف التي تُوقعها العرب على المعاني المتضادَّة، فيكون الحرف منها مؤدِّيًا عن معنيين مختلفين، ويظنُّ أهل البدع والزيغ والإزراء بالعرب أنَّ ذلك كان منهم نقصًا مِنْ حكمتهم، وقلَّة بلاغتهم » [6] . وقد عرض ابن الأنباري كثيرًا من الألفاظ التي جاءت في القرآن، وعَدَّها بعض العلماء مِنْ قبله من الأضداد، وهم -مِنْ وجهة نظره- قد أخطؤوا فيها التأويل، ومذهبه في كثير من كلمات الأضداد أنَّ الكلمة لم تُوْضَعْ في أول الأمر للمعنيَيْن المتضادَّين، وإنَّما وُضِعت لأحدهما، وتراه يميل في كتابه إلى قول بعض العلماء: « إذا وقع الحرف على معنيين متضادَّين فالأصل لمعنى واحد، ثم تداخل الاثنان على جهة الاتساع » [7] ، وقد يكتفي بعرض الرأيين في تفسير الآية كقوله [8] : « والنِّدُّ يقع على معنيين متضادَّين. يقال: فلانٌ نِدُّ فلان إذا كان ضدَّه، وفلان نِدُّه إذا كان مثلَه. وفسَّر الناس قوله تعالى: ?فلا تجعلوا لله أَنْدادًا وأنتم تعلمونٌ? [البقرة: 22] على جهتين. قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: معناه فلا تجعلوا لله أعدالًا، فالأَعْدال جمع عِدْل، والعِدْل المثل. وقال أبو العباس عن الأثرم عن أبي عبيدة: فلا تجعلوا لله أندادًا أي: أضدادًا » .
أمَّا قطرب فله منهج آخر، وهو التوسُّع في ألفاظ الأضداد وقَبول الكثير منها. ومن أمثلته:"المُفْرَطُ"المُقَدَّم والمؤخَّر، نحو قوله تعالى: ?لا جَرَم أنَّ لهم النارَ وأنهم مُفْرَطونٌ? [النحل: 62] . ويجوز أن يكون أنَّهم مُقَدَّمون إليها جميعًا، ويجوز أنَّهم مُؤَخَّرون مُباعَدون متروكون من الثواب ».
وهكذا ساهم هذا النوع من الخدمة اللغوية في إجلاء معنى كثير من الآيات، وأثار بين علماء العربية والتفسير مناقشات أفادت منها المكتبة القرآنية واللغوية على السواء.
3-واجتهد علماء العربية من السلف في بيان"المشترك اللغوي"وعَدُّوه خصيصةً من خصائص العربية، وعاملًا من عوامل تنميتها وثرائها. وقد أشار العلماء إلى شواهده والمعاني التي تدور حول لفظه [9] . والمشترك اللفظي هو ما اتحدت صورته واختلف معناه، على عكس المترادف، أو هو اللفظ الواحد الدالُّ على معنيين مختلفين فأكثر [10] . يقول الدكتور توفيق شاهين [11] : « وتنوُّع معناه أتى مِنْ تنوع استعماله » ويضرب مثالًا على ذلك بلفظة"الأُمَّة"فهي بمعنى الواحد الصالح الذي يُؤْتَمُّ به، ويكون علَمًا في الخير كقوله تعالى: ?إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًٌ? [البقرة:120] وهو بمعنى الجماعة كقوله تعالى: ?ولمَّا ورد ماء مَدْيَن وجد عليه أُمَّةً من الناس يَسْقُونٌ? [القصص:23] وبمعنى الحين من الزمان، نحو قوله تعالى: ?وادَّكر بعد أُمَّةٌ? [يوسف:45] ، وبمعنى الملَّة والدين، نحو قوله تعالى: ?إنَّا وَجَدْنا آباءنا على أُمَّةٌ? [الزخرف:23] ، وبمعنى الجنس نحو قوله تعالى: ?وما مِنْ دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أممٌ أمثالُكمٌ? [الأنعام:: 38] .
وقد أثبت هذا المشتركَ ابنُ فارس في كتابه"الصاحبي" [12] ومثَّل له بالعَين، وسيبويه في كتابه [13] ، وأشار إلى أنَّ مِنْ كلام العرب اتفاق اللفظيين واختلاف المعنيين، نحو قولك:"وَجَدْتُ عليه"من المَوْجِدة و"وجَدْت"إذا أرَدْتَ وجدان الضَّالَّة.
وقد خدم العلماء الألفاظ القرآنية التي تسير على هذا القبيل.
ويلخص الدكتور رمضان عبد التواب عوامل نشأة المشترك اللفظي بالاستعمال المجازي، ولم يهتمَّ أصحاب المعاجم بالتفرقة بين المعاني الحقيقية والمجازية للكلمات، والعامل الآخر في نشأته اللهجاتُ؛ وذلك لأنَّ بعض هذه المعاني المجازية نشأ في بيئات مختلفة، ويُضاف إلى هذه العوامل اقتراض الألفاظ من اللغات المختلفة، وينتهي إلى القول بأن المشترك اللفظي لا وجود له في واقع الأمر إلا في معجم لغةٍ من اللغات، أمَّا نصوص هذه اللغة واستعمالاتها فلا وجود إلا لمعنى واحد من معاني هذا المشترك اللفظي [14] .
4-وثمة خدمة جليلة خاصة بمعاني المفردات القرآنية قام بها بعض علماء السلف من المَعْنِيِّين بعلوم العربية، ومن ذلك كتاب"المفردات"للراغب الأصبهاني، وكتاب"عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ"للسمين الحلبي. ومنهج هذا الضرب من التصنيف هو ترتيب موادِّ الكتاب على منهج أوائل الحروف بعد تجريدها من الحروف الزائدة، كما هو الحال في معجم"أساس البلاغة"للزمخشري، ثم تُذْكَرُ المعاني اللغوية الواردة داخل المادة، ويستشهد عليها بآيات من القرآن الكريم.
وتُعْنَى هذه المصنفات بالتعريفات اللغوية، وتُعَدُّ مرجعًا أصيلًا في ذلك، وتَدْعم المعاني التي توردها بالشعر والحديث وأقوال العرب.