فهرس الكتاب

الصفحة 18383 من 27345

عندما ينتحر الحماس ؛ يصبح قولُه فصلًا لا يقبلُ الهزلَ، ورأيُه صوابًا لا يحتمل الخطأ، فهو يتكلمُ من عُلُو، ويرى غيره في دنو، إذا قلتُ فصدِّقوني، وإذا أمرتُ فأطيعوني، وإذا أشرتُ، فاتبعوني ..هكذا يريدُ الناس تبعًا له، يُلغون عقولَهم، ويُغلقون قلوبَهم، منقادين له مستسلمين ..فهو مصاب بداء التعالي والتعالم .

هلاكُ الناسِ مُذ كانوا إلى أن تأتيَ الساعة

بحبِّ الأمر والنهي وحبِّ السَّمعِ والطاعة

4-النظر في المرآة !

عندما ينتحر الحماس ؛ لا يتألم لأحوال العالم الإسلامي وما أصابه من جراح ونكبات، وآلام وكربات، لا يتألم لأنين الثكالى، وحنين اليتامى، وآهات الحزانى، فهو يعيش لنفسه، وينكفىء على مصالحه، ويعكف على شئونه ..وعظيمُ الهِمَّة، يعيشُ همَّ الأُمَّة !

5-صريع الغفلات !

عندما ينتحر الحماس ؛ تضيعُ الأوقاتُ هَدَرًا في الغفلاتِ والزلاتِ، فتذهبُ الساعاتُ الطويلةُ بدون فائدة تُذكَر أو عملٍ يُشكَر، فلا تكادُ تراهُ إلا وهو يُتَابِعُ الكرة والمباريات، والأندية واللاعبين، والدوري والحكام، فيا لها من سَوءَةٍ ! جادٌ يلعب مع اللاعبين ! فيا صريعَ الغفلات، يا قتيلَ الشهوات!

ذهبَ العُمْرُ وفات يا أسيرَ السيئات

ومضى وقتك في لهو وسهو وسبات

بينما أنت في غَيِّك إِذْ قيل: مات

6-صائد مصيود !

عندما ينتحر الحماس ؛ يجلس بالساعات الطوال أمام جهاز الحاسوب، عبر شبكة الإنترنت، ينتقل من موقع لموقع، ومن منتدى لمنتدى، بدون هدف، فقل لي بربك: ساعاتٌ مضت من عُمُرِكَ، فما الفائدة العائدة عليك؟!

7-رحاة بدون طحين !

عندما ينتحر الحماس ؛ تراه يدور كالرَّحى بالأسواق، لا ليشتري ما يشتهي، وإنما للنزهة، وتزجية الفراغ فيما لا فائدة فيه . فعجبًا لمستقيم ! من أين يأتي له الفراغ، وهو يعلم ـ علم اليقين ـ لم خلقه الله رب العالمين ! وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [56] } [سورة الذاريات] . لا ليلعبون .. لا ليلهون .. لا ليعبثون ..

قد هيئوك لأمرٍ لو فطنتَ له فاربأ بنفسِكَ أن ترعى مع الهَمَلِ

8-صُحفي لا يعرف المصحف !

عندما ينتحر الحماس ؛ تبصره وهو عاكفٌ على الجرائد اليومية والمجلات الدورية يقرأ فيها بِنَهَمٍ، قد استغرقَتْ جُملَةَ وقته، يقرأُها من مبتداها لمنتهاها، الصفحاتُ الفنية .. الرياضية .. الأدبية .. الشعبية .. الإعلاناتُ والدعايات .. اللقاءاتُ والمقابلات ... الاستحكاماتُ والوفيات .. ينتهي من هذه الصحيفة، ليقرأ في تلك الجريدة، وهَبْ أن الأمرَ جائزٌ، فهل غدا وقتُك بهذا الرُّخْصِ لتُهدِرَهُ في الرُّخص ؟!

والوقتُ أنفَسُ ما عُنيتَ بحفظِهِ وأراه أسهَلُ ما عليك يَضيعُ

9-تعب من الراحة !

عندما ينتحر الحماس ؛ تبحث عنه في المؤسساتِ الإغاثية، والمكاتبِ الدعوية، والدوراتِ العلمية، والمخيماتِ الصيفية، والمشاريعِ التطوعية، والأنشطةِ التربوية، والأعمالِ الخيرية، فلا تجده ..فلا شُغْلَ له سوى الاستراحات والنُّزْهات، والسفريات والرِّحْلات، والملاهي والمقاهي.

وقد شُرعت النُّزْهات المباحةُ لجلب الراحة لمن يعيش الجدية في حياته، فإن النفس إذا كلَّت ملَّت، ولا بُدَّ لها من فسحة في حلال، ولكن أن يصبح الأصل في وقته الغالي إهداره في التسالي وضياعه في الفُسَح، فهذا انتكاسٌ، وانحراف عن الجادة، وعدول عن منهج السالفين .

سألَ سائلٌ ابنَ الجوزي: أيجوز أن أُفسح لنفسي في مباح الملاهي؟

فقال له: عند نفسك من الغفلة ما يكفيها .

10-جرح بدون تعديل !

عندما ينتحر الحماس ؛ تُمْلأُ مجالسه بالقيل والقال، وكثرة المراء والجدال، والخوض في أخبار الناس وأحوالهم، ومثالبهم ونقائصهم، فيجلس لساعات طويلة في مجالس الغفلة مع من يشاكله في طباعه، ويشابهه في ضياعه، لا يذكرونَ الله إلا قليلًا. وربما لا همَّ لهم إلا الاشتغال بالصالحين، وانتقاد العاملين، وتجريح الناشطين، وتخذيل المجتهدين، وتصنيف الباذلين، وإساءة الظن في المؤمنين .

فـ أجرأُ من رأيتُ بظهر غيب على عيب الرجال: ذوو العيوب

التهى بعيوب الناس عن عيبه، واهتم بذنوبهم عن ذنبه، وأصبح من أَكَلَةِ لُحومِ البَشَر، ينهش في لحوم الغائبين عنه، ويتشهى بذكر عيوبهم ورصد أخطائهم، وكل ذلك تحت مسميات شرعية:كـ'مصلحة الدعوة !' .مصطلحات ظاهرها وباطنها الرحمة عند أهل الحق، وحقيقتها ـ عند هذا وأمثاله ـ الشهواتُ الخفية، و الحقد والحسد، وأمراض القلوب وأدواؤها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت