أَصْدُقُكَ القول كنا آنذاك ننشغل بما نقرأ من موضوعات ولا نلتفت إلى اسم الكاتب ، وإن التفتنا لم يعلق بأذهاننا .. لكننا فيما بعد حينما تقدمنا في العمر والفهم اكتشفنا أن أكثر هذا الذي كنا نقرأ إنما خَطَّتْهُ يَدَي ذلك الرجل النُّوْرَانِيّ القابع في خَنْدَقِهِ - ربما وحيدا - في مواجهة تلكم الجيوش الجرارة والكتائب الفتاكة من جنود الأعداء يرقبها بعيني الصقر ويشهر في وجهها سلاحه الذي يملكه .. إنه قلمه …
لقد كانت يده الحانية وقلبه الرقيق يشفق على الأمة ويرى ما لا ترى ، فيقطع آلاف الأميال بقلمه السيال المتدفق يكشف للأمة المُغَيَّبَة الحقيقة ساطعة ويزيل الران عن القلوب والعقول ..
لم يعرف للراحة سبيلا منذ اكتشف المؤامرة على الأمة الإسلامية فالتهبت في قلبه الغَيْرة المحمومة على الإسلام جَذوة مُتَّقِدَة تَلتهب في قَلبه ليل نهار … ووالله ما وضع القلم حتى وافاه الأجل، وما خان عهد الله بل أحسبه - والله حسيبه - ممن نفاخر بهم الأمم ، لم يلتفت إلى عرض الدنيا ، بل باع نفسه وماله لله فداء دينه ولم يشغل نفسه برضاء الناس ولا بمتاع الدنيا ولا بالتكريم والإعجاب والجوائز والدرجات العلمية ، بل كان فوق كل هذا .. إنه الأستاذ: أنور الجندي .
لقد كنت أُلاحظ منذ خُضْتُ غمار مشروعي العلمي الكبير"بنك المعلومات الإسلامي: أمتي"منذ ما يزيد على سبع عشرة سنة ، وهو مشروع من أَولى أولوياته تراجم الأعلام … كنت ألاحظ أن هذا الرجل الذي اهتم بتراجم الأعلام فألف فيهم الكثير من المؤلفات - كما سترى - ، وجعل الكتابة عن"الأبطال"أحد اهتماماته الرئيسية حينما رأى المسلمين وقد فُتنوا بالغربيين .. رأيت هذا الرجل لم يترجم له أحد ، بل لقد وجدتُ الصعوبة كل الصعوبة في معرفة أية معلومات شخصية عنه: اسمه ، تاريخ مولده ، عمله ، دراسته … إلخ
ومن خلال آلاف الآلاف من الصفحات التي طويتها في سبيلي لوضع مشروعي الكبير - بنك المعلومات - لم يقع لي إلا القليل النادر من المعلومات عن ذلكم العَلَم ، ولقد كانت المفارقة عندي في بنك المعلومات كبيرة فقائمة مؤلفاته ضخمة طويلة ، والمعلومات الشخصية شحيحة ضئيلة ، ولقد قُلتها يوما بيني وبين نفسي:"لَقَد أَحيا الأستاذ أنور الجندي ذِكْرَ الأستاذ كامل كيلاني - الذي أراد معاصروه من أذناب الغرب وأبواقه أن يخملوا ذكره - فأنصفه ، وسأفعل مع الأستاذ الجندي - إن شاء الله - ما فعله مع الكيلاني".
كانت هذه نية عقدتها واستقرت في النفس سنين حَالَ دون تنفيذها حوائل كثيرة أكبرها العمل في المشروع الكبير …
لقد كان - كما قُلْت - شيئا قَدَرِيًّا يشُدُّني إلى الأستاذ أنور الجندي ، …. رَتَّبَتْ الأقدار أن أتجشم هذا العمل فألحق بالرجل في أيامه الأخيرة أَرْقُبُهُ عن قُرْبٍ وأُقَبِّلٌ يده وأعوده في مرضه وأقلب أوراقه ، وأسجل أواخر كلماته وأيامه ، ثم أَحْظَى بشرف غسله وتكفينه بيدي ، وأشارك في تشييعه إلى مثواه الأخير ودفنه … وها أنذا أجد الواجب يفرض علي أن أكتب عنه وفاءا بعهدٍ قطعتُه على نفسي من قديم … إني أعلم أن هذا الكتاب لن يفي ولن يستوعب شيئا من حياة وفكر هذا العملاق ، لكني أَعُدُّهُ طليعةً لغيره من المؤلفات … ولقد كان شيئا عجيبا في هذه المقادير أن أتدرج في طريقي هذا حتى أتولى مسئولية مكتبة الأستاذ أنور الجندي ثم صناعة بنك معلومات متعلق بالأستاذ ، ثم أجدني اليوم أخط هذه الصفحات - وإنه لكبير شرف خصني الله به - في داره الكريمة .. في عرين الأسد .
والحق أن كتابات الأستاذ أنور الجندي إنما هي درر علمية نفيسة يصعب تكرارها أو إيجاد بديل لها، وإن ما قد نجده من كتابات في بعض القضايا المشتركة لكُتَّابٍ آخرين تَمَيَّزَتْ عنها كتابات أنور الجندي بما اتسمتْ به من عُمقِ فكر وشمولِ تصور ، لقد استطاع أنور الجندي أن يصل إلى وضع تصورٍ متكاملٍ للفكر الإسلامي المعاصر والصحوة الإسلامية وقضاياهما الفكرية المختلفة ، وكانت كتاباته وإن تنوعت دائما تعرف موضعها بدقة في هذا البنيان المتكامل .
ولقد وجد أنور الجندي نفسه في كثير من المواطن يدعوه الواجب - واجب نُصرة الإسلام والدعوة الإسلامية - إلى التصدي لسد خلل عَجَزَت عنه دراسات المعاهد والجامعات وبرامج التربية والتعليم المقررة في ديار الإٍسلام على اتساع رقعتها بكل ما تملك تلكم المؤسسات من إمكانات بشرية ومادية لا توصف ، فكان هو الرجل الذي قام مقام أمة (1) .
(1) انظر مقدمة"مقدمات العلوم والمناهج"لأنور الجندي .