فهرس الكتاب

الصفحة 18513 من 27345

ولقد أرشدنا - صلى الله عليه وسلم - وعلمنا كيف يكون التفاؤل في أقسى الظروف والأحوال، فهاهو - صلى الله عليه وسلم - وهو يحدث عائشة -رضي الله عنها- ويجيبها عن سؤالها: هل مرّ عليه يوم أشد من يوم أحد، فقال:"لقد لقيت من قومك -وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة- إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بـ (قرن الثعالب) فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال:"إن الله -عز وجل- قد سمع قول قومك لك ، وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال، وسلّم علي، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم:"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا"رواه مسلم.

أي تفاؤل أعظم من هذا التفاؤل؟ يخرج هائمًا على وجهه من شدة ما يلاقي من قومه، ومع ذلك يقول لملك الجبال تلك المقالة. إنها تدل على قوة إيمان، وثقة بالنصر، وبعد عن اليأس، وأمل مشرق، وتفاؤل لا يحدّه حدّ، فلم تكن تلك الظروف المحيطة به -مع ما فيها من آلام وأحزان- لتحول بينه وبين هذا الأمل، واستشراف المستقبل، وحسن الظن بالله.

إنه قد خرج عن الدائرة الضيقة التي يعيش فيها إلى الأفق الرحب، والأمل الواسع، والتطلع إلى المستقبل بثقة لا تعرف اليأس والقنوط.

وتمضي السيرة تؤكد لنا هذا المنهج الذي يربي عليه - صلى الله عليه وسلم - أمته، فعندما جاء الصحابة يشكون له حالهم، وما يلاقونه من قريش، كما في حديث خباب، فيفاجئهم - صلى الله عليه وسلم - بمقولته الرائعة، التي تنقلهم من هذا الضيق والعناء، إلى المستقبل الباهر، والفضاء الرحب، والسيادة المطلقة"والله ليتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئبَ على غنمه"ثم يختم ذلك بمقولة تدل على إدراك عميق لطبيعة النفس البشرية"ولكنّكم تستعجلون".

أما قصة الهجرة عندما لحقه سراقة ليدلّ عليه قريش، ثم حدث لفرس سراقة ما حدث، وبعد أن أعطاهم الأمان وطلب الدعاء، إذا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول له كلامًا يدلّ على ما تحمله نفسه - صلى الله عليه وسلم - من ثقة بالله، وتفاؤل لا يعرف الحدود، مع أنه قد خرج من أحبّ البلاد إليه طريدًا خائفًا من قريش، ليس معه إلا صاحبه - رضي الله عنه - فإذا هو يبشّر سراقة بأنه سيلبس سواري كسرى، إنه هنا - صلى الله عليه وسلم - يبشّر بسقوط مملكة من أعظم الدول والممالك في ذلك الزمان، وهي مملكة فارس التي كانت تتقاسم مع الروم السلطة والملك.

إنه بون شاسع، وفرق عظيم بين الحال التي كان عليها وهو يقول لسراقة ما قال، وبين ما يبشّره به من فتح عظيم، ونصر لهذا الدين يتخطى الجزيرة إلى مملكة من أعظم الممالك في التاريخ وهكذا كان.

إن تربية النفس على التفاؤل في أعظم الظروف وأقسى الأحوال، منهج لا يستطيعه إلا أفذاذ الرجال، والمتفائلون وحدهم هم الذين يصنعون التاريخ، ويسودون الأمم، ويقودون الأجيال.

أما اليائسون والمتشائمون، فلم يستطيعوا أن يبنوا الحياة السوية، والسعادة الحقيقية في داخل ذواتهم، فكيف يصنعونها لغيرهم، أو يبشّرون بها سواهم، وفاقد الشيء لا يعطيه.

ومكلف الأشياء ضد طباعها متطلّب في الماء جذوة نار

إننا بحاجة إلى أن نربى الأمة على التفاؤل الإيجابي، الذي يساهم في تجاوز المرحلة التي تمرّ بها اليوم، مما يشدّ من عضدها، ويثبّت أقدامها في مواجهة أشرس الأعداء، وأقوى الخصوم؛ ليتحقق لها النصر- بإذن الله-.

والتفاؤل الإيجابي، هو التفاؤل الفعّال، المقرون بالعمل المتعدي حدود الأماني والأحلام.

والتفاؤل الإيجابي هو المتمشّي مع السنن الكونية، أما الخوارق والكرامات فليست لنا ولا يطالب المسلم بالاعتماد عليها، أو الركون إليها، وإنما نحن مطالبون بالأخذ بالأسباب، وفق المنهج الرباني،

والتفاؤل الإيجابي هو التفاؤل الواقعي الذي يتّخذ من الحاضر دليلًا على المستقبل دون إفراط أو تفريط، أو غلوّ أو جفاء.

والتفاؤل الإيجابي هو المبنيّ على الثقة بالله، والإيمان بتحقق موعوده، متى ما توافرت الأسباب، وزالت الموانع"ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض".

والمتأمل للواقع اليوم يرى من المبشّرات مالا يستطيع جاحد أن ينكره، ويكفي من ذلك أن هذه الأمة أصبحت الشغل الشاغل للعالم يحسب لها العدو ألف حساب، وما تحالف العالم اليوم بقيادة أمريكا ضد المسلمين باسم (مكافحة الإرهاب) إلا دليل على قوة شأن الأمة، وأنها بدأت تسير نحو طريق العزة والكرامة، والمجد والخلود، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ولكنكم تستعجلون".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت