وكان اليهود ينتقلون من حصن لآخر حتى استقروا في آخر حصنين منيعين وهما الوطيح والسلالم . وبعد حصار استمر أربعة عشر يوما أدركوا أن الهزيمة ستحل بهم فطلبوا حقن دمائهم على أن يقوموا برعاية الأرض التي كانت لهم مقابل نصف مردودها ، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم شرط أن يخرجهم المسلمون متى شاءوا. وقد خمس النبي صلى الله عليه وسلم غنائم خيبر ووزعها على المسلمين ، وكان من بين الغنائم التي غنمها المسلمون في خيبر صحائف متعددة من التوراة طلبها اليهود فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتسليمها لهم ، في حين أحرق الرومان الكتب المقدسة وداسوها بأرجلهم عندما هزموا أورشليم سنة 70 م ، كما احرق المتعصبون من النصارى صحف التوراة أثناء حروب الاضطهاد في الأندلس . وكانت من بين السبايا صفية بنت حيي بن اخطب ، فاصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه وتزوجها بعد أن أسلمت واعتقها وجعل عتقها صداقها . وحاولت زينب بنت الحارث وهي زوجة سلام بن مشكم قتل النبي صلى الله عليه وسلم بان أهدته شاة مسمومة بتحريض من بعض قومها ، وقد لاك منها النبي صلى الله عليه وسلم مضغة فلم يستسغها ، وكان يرافقه البشر بن البراء فاساغها ومات مسموما من أكلها . وقد اعترفت زينب بفعلها لأنها أرادت أن تستريح من النبي صلى الله عليه وسلم إن كان كاذبا أما إن كان صادقا في نبوته فسيخبر بالأمر ، وقد عفى عنها ، وقيل أمر بقتلها فأطعموها من نفس لحم الشاة . عامل النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر معاملة حسنة تختلف عن معاملته لبني قينقاع وبني النضير وبني قريظة ، لان أراضي خيبر تحتاج إلى الأيدي العاملة في الزراعة ، وهو بحاجة للمسلمين في جيش الجهاد في سبيل الله تعالى . وبعد هذا الانتصار العظيم للمسلمين على يهود خيبر ، قبل يهود فدك في شمال خيبر بدفع نصف ممتلكاتهم للرسول صلى الله عليه وسلم دون قتال ، فكانت فدك خالصة للرسول صلى الله عليه وسلم ، لأنه كان يصرف ما يأتيه منها إلى أبناء السبيل . أما يهود وادي القرى فامتنعوا وقاتلوا ، ثم استسلموا بعد أن قتل منهم أحد عشر رجلا ، فعوملوا مثل معاملة يهود خيبر حيث تركت الأرض والنخيل في أيديهم مقابل نصف المردود ، وخمس النبي صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين ، وكذلك حذا يهود تيماء حذو فدك ودفعوا الجزية . وهكذا بسط الرسول صلى الله عليه وسلم شريعة الإسلام ونفوذها على اليهود فتوجب عليهم دفع الجزية ، لأنهم أهل كتاب وهم من أهل الذمة، وتضعضعت شوكة اليهود وانكسرت ، بعد أن تلاشى نفوذهم السياسي والاقتصادي في شبه الجزيرة العربية .