فأهل الجنة يُساقون إلي الجنان بل والله تُساق إليهم .
"حَتّىَ إِذَا جَآءُوهَا": أي وصلوا لتلك الرحاب الرحيبة والمنازل الأنيقة ، وهبّ عليهم ريحها ونسيمها ، وآن خلودها ونعيمها ، وَفُتِحَتْ لهم أَبْوَابُهَا فتح إكرام لكرام الخلق ، ليُكرموا فيها ، فهو الاستقبال الطيب .. والثناء الجميل .
بل والله من ضمن هذا النعيم المعنوي العظيم العالي ، قول الحق جل وعلا:"فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ"مشهد سخرية الذين آمنوا من الذين أجرموا ، وهذا التصوير المُفصل لمواجعهم من أذى المشركين ، فيه بلسم لقلوبهم ، فالله يري كيف من المؤمنين الساخرون ، وكيف يؤذيهم المجرمون ، وكيف يتفكه بآلامهم ومواجعهم المتفكهون ، وكيف لا يتلوم هؤلاء السفلة ولا يندمون ! إن ربهم يري هذا كله .ويصفه في تنزيله .فهو إذن شيء في ميزانه .. وهذا يكفي . نعم هذا يكفي حين تستشعره القلوب المؤمنة مهما كانت مجروحة موجوعة .
ثم إن ربهم يسخر من المجرمين سخرية رفيعة عالية فيها تلميح موجع . قد لا تحسه قلوب المجرمين المطموسة المغطاة بالرين المطبق عليها الذنوب . ولكن قلوب المؤمنين الحساسة المرهفة ، تحسه وتقدره ، وتستريح إليه .
ثم إن هذه القلوب المؤمنة تشهد حالها عند ربها ، ونعيمها في جناته ، وكرامتها في الملأ الأعلى ، علي حين تشهد حال أعدائها ومهانتهم في الملأ الأعلى وعذابهم في الجحيم ، مع الإهانة والترذيل .. تشهد هذا وذلك في تفصيل وفي تطويل . وهي تستشعر حالها وتذوقه تذوق الواقع اليقين . وما من شك أن هذا التذوق يمسح علي مرارة ما كانت فيه من أذى وسخرية وقلة وضعف .
ومن ذلك قوله تعالى: (وَنَادَىَ أَصْحَابُ الْجَنّةِ أَصْحَابَ النّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتّم مّا وَعَدَ رَبّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذّنَ مُؤَذّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظّالِمِينَ) [سورة: الأعراف - الآية: 44] وفي هذا السؤال من السخرية المرة ما فيه ..إن المؤمنين علي ثقة من تحقيق وعيد الله كثقتهم من تحقيق وعده ولكنهم يسألون . سؤال تقريع وتعيير .
[1] للشيخ العلامة الألباني رسالة في التعليق علي خطبة الحاجة بعنوان ( خطبة الحاجة ) ينبغي أن تُراجع .
[2] من بديع كلام ابن الجوزي رحمه الله .
أبو عبد الرحمن محمد بن عمران