كما أنهم قد يقفون له في الطريق يمنعونه من النهوض بواجبه؛ اتقاء لما يصيبهم من جرائه، أو لأنهم قد يكونون في طريق غير طريقه، ويعجز هو عن المفاصلة بينه وبينهم والتجرد لله، وهي كذلك صور من العداوة متفاوتة الدرجات، وهذه وتلك مما يقع في حياة المؤمن في كل آن، ومن ثم اقتضت هذه الحال المعقدة المتشابكة، التحذير من الله، لإثارة اليقظة في قلوب الذين آمنوا، والحذر من تسلل هذه المشاعر، وضغط هذه المؤثرات، ثم كرر هذا التحذير في صورة أخرى من فتنة الأموال والأولاد، وكلمة فتنة تحتمل معنيين:
الأول: أن الله يفتنكم بالأموال والأولاد بمعنى يختبركم، فانتبهوا لهذا، وحاذروا وكونوا أبدًا يقظين لتنجحوا في الابتلاء، وتخلصوا وتتجردوا لله، كما يفتن الصائغ الذهب بالنار ليخلصه من الشوائب!
والثاني: أن هذه الأموال والأولاد فتنة لكم توقعكم بفتنتها في المخالفة والمعصية، فاحذروا هذه الفتنة لا تجرفكم وتبعدكم عن الله) [3] أ.هـ
أما الأحاديث الواردة في التحذير من انفتاح الدنيا وكثرة الأموال والفتنة بها فكثيرة من أصحها وأشهرها:
قوله - صلى الله عليه وسلم: (( كيف أنتم إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم. أي قوم أنتم؟ قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله،قال:"أو غير ذلك ؟ تتنافسون، ثم تتحاسد ون، ثم تتدابرون ) ) [4] ."
وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم؛ فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ) ) [5] .
وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم: يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا ) ) [6] .
وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( يأتين على الناس زمان لا يبالي المرء مما أخذ المال أمن الحلال؟ أم من حرام؟ ) ) [7] .
ومن أجل ذلك خاف السلف- رحمهم الله تعالى- من الافتتان بزهرة الدنيا وأموالها وزخرفها، والنماذج التالية تشهد بذلك:
عن إبراهيم بن عبد الرحمن: أن عبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنه- أتي بطعام وكان صائمًا، فقال: قتل مصعب بن عمير، وهو خير مني، كفن في بردة: إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وأراه قال: وقتل حمزة، وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا- أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام) [8] .
وعن أبي حازم قال: جعل عروة بن الزبير لعائشة طعامًا فجعل يرفع قصعة ويضع قصعة، قال: فحولت وجهها إلى الحائط تبكي، فقال لها عروة: كدرت علينا، فقالت: (والذي بعثه بالحق! ما رأى المناخل من حين بعثه الله حتى قبض) [9] .
وعن ميمون بن أبي شبيب قال: كان معاذ بن جبل في ركب من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمر بهم رجل فسألهم فأجابوه، ثم انتهى إلى معاذ بن جبل وهو واضع رأسه على رجله يحدث نفسه فقال: عم سألتهم؟ فقال:سألتهم عن كذا،فقالوا: كذا، وسألتهم عن كذا فقالوا: كذا، فقال معاذ- رضي الله عنه-:"كلمتان إن أنت أخذت بهما أخذت بصالح ما قالوا، وإن أنت كنت تركتهما تركت صالح ما قالوا: إن أنت ابتدأت بنصيبك من الدنيا يفتك نصيبك من الآخرة، وعسى أن لا تدرك منها الذي تريد،وإن أنت ابتدأت بنصيبك من الآخرة يمر بك على نصيبك من الدنيا فينتظم لك انتظامًا، ثم يدور معك حيثما تدور [10] ."
وكان عبد الواحد بن زيد: يحلف بالله لحرص المرء على الدنيا أخوف علي عندي من أعدى أعدائه، وكان يقول: يا إخوتاه لا تغبطوا حريصًا على ثروته وسعته في مكسب ولا مال، وانظروا له بعين المقت له في اشتغاله اليوم بما يرديه غدًا في المعاد ثم يتكبر. وكان يقول: الحرص حرصان: حرص فاجع، وحرص نافع. فأما النافع: فحرص المرء على طاعة الله، وأما الحرص الفاجع: فحرص المرء على الدنيا) [11] .
والآن يمكننا إجمال أهم مظاهر الفتنة بالأموال والأولاد فيما يلي:
1-الانشغال بها عن الآخرة والاستعداد لها والتفريط في الصالحات.
2-الحرص على المال والأولاد والمحبة الشديدة لهما تدفع إلى الوقوع في المحرمات وأخذ المال من حله ومن غير حله؛ ذلك حتى يوفر الراحة والسعادة له ولأهله وأولاده، كمن يحضر أجهزة التلفاز والفيديو والبث المباشر والمجلات الخليعة ليسعد بها أهله بزعمه.
قال الزجاج - رحمه الله تعالى-:عند آية التغابن السابقة: (أعلمهم الله- عز وجل- أن الأموال والأولاد مما يفتنون به؛ وهذا عام في جميع الأولاد،فإن الإنسان مفتون بولده؛لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه،وتناول الحرام لأجله ، ووقع في العظائم إلا من عصمه الله تعالى ) [12] .
3-التحاسد والتدابر والتباغض، بل والتقاتل على الدنيا وأموالها.
يقول الإمام ابن رجب- رحمه الله تعالى-: في تعليقه على حديث"ما الفقر أخشى عليكم"السابق ذكره: