سادسًا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (( من عملا عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) )أحرجه مسلم ، في الأقضية برقم ( 1718 ) .
فقوله: (( عملًا ) )نكره في سياق الشرط فيعم كل عمل يكون تارة موافقًا وتارة مخالفًا ، وهذا احتراز من العمل الذي لا يقع إلا على وجه محرم فقط كالظهار ، فإنه يعمل به وإن لم يكن عليه أمر الله ورسوله ، فإذا وقع - يعني العمل الذي يوافق تارة ويخالف تارة - على الوجه الذي ليس عليه أمر الله ورسوله فهو رد ، والطلاق من الأعمال .
فإن قيل: هذا يقتضي أنه إذا جمع الثلاث بأي صيغة فإن الطلاق لا يقع أصلًا ؛لهذا الحديث .
فالجواب: أن الأحاديث دلت على وقوع الطلاق واحدة - كحديث ابن عباس وحديث ركانة - اعتبارًا بأصل الطلاق وإلفاءً للوصف المحرم .
سابعًا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (( كل شرط ليس في كتاب فهو باطل ، وإن كان مئة شرط ، قضاء الله أحق ، وشرط الله أوثق ) )، أخرجه البخاري برقم ( 2168 ) ، ومسلم ، برقم ( 1504 ) .
فإن قلنا: إن الحديث يعم كل ما التزم به الإنسان وألزم به نفسه ، فإنه يشمل العقود، والفسوخ ، والشروط التي يشترطها أحد المتعاقدين ، ومن الفسوخ الطلاق ، فإنه فسخ وحل لقيد الزوجية أو بعضه ، وإن قلنا: إن الشروط هنا خاصة بما يشترطه أحد المتعاقدين ، فإنه يقاس عليها العقود ، والفسوخ قياسًا جليًا ، لا تفاقهما في العلة ، وهي وقوع ذلك على وجه لا يوافق كتاب الله .
فإن قيل: إذا نوى الثلاث بهذا اللفظ: (( أنت طالق ، وطالق ، وطالق ) )وأرادها فهل يقع كما نواه ؟
فالجواب: بأن ذلك مشروط بموافقة الشرع ، فإذا خالف الشرع فهو مردود ، فلا بد هنا إن تكون الطلقة الثانية بعد رجعة صحيحة ، والمرأة مستقبلة للعدة ، وهكذا الطلقة الثالثة ، فكما أنه إذا طلقها وهي حائض لا يقع الطلاق على الصحيح - مع أنه قد نواه وأراده فكذلك هنا لمخالفة الشرع في المسألتين ، فإذا وجد ما نع ، أو فات شرط ، فلا طلاق ، حتى وإن كرره ونواه .
ثم بعد ذلك نقول: إن الله إذا حرم الشي فإن المقصود به عدم إيجاده وعدم تصحيحه ، إن كان له حكم بصحة وفساد ، فإذا نفذنا الطلاق الثلاث مع قولنا بتحريمها ، فنخشى أن يكون هذا خلاف مقصود الشارع ، لأن تنفيذه إيجاد له ، والمقصود من التحريم خلاف ذلك .
بهذا يتضح لنا جليًا: أن الطلاق الثلاث لا يقع إلا واحدة ، سواءً كان بكلمة واحدة ، أو بكلمات ، وأنه لا فرق بين الصورتين ، هذا ما اختاره شيخ الإسلام (4) - أعلم أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد فقهاء الصحابة رضي الله عنهم - وتلميذه العلامة ابن القيم (5) ، والعلامة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي (6) (7) وتلميذه العلامة الشيخ محمد بن عثيمين (8) - رحمة الله على الجميع - والله أعلم .
وإلى هنا انتهى ما أردناه ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر مجموع الفتاوى 33 / 7 - 98 ، 130 ، 156 .
(2) انظر إغاثة اللهفان ، ط . المعرفة ، 1 / 283 - 338 ، وزاد المعاد ، ط . الرسالة ، 5/ 247 - 271 ، والإعلام ، ط. الجيل ، 3/ 30 - 50 ، وتهذيب السنن ، ط . المعرفة ، 3 / 124 - 128 .
(3) انظر رسالته في الطلاق الثلاث ، مخطوط ، وشرحه للزاد والبلوغ المسجل عن طريق الأِشرطة .
(4) انظر هامش ( 1 ) .
(5) انظر هامش ( 2 ) .
(6) انظر المختارات الجلية ، ط . مركز ابن صالح ، صـ 173 - 174 ـ ، والأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة ، وهي الرسائل الشخصية العلمية المرسلة من الشيخ / عبد الرحمن بن ناصر السعدي إلى تلميذه الشيخ / عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل ، ط . دار المعالي ، ودار ابن الجوزي صـ 93 ــ .
(7) قال العلامة الشيخ / محمد بن عثيمين: كان شيخنا عبد الرحمن بن سعدي - رحمه الله - يفتي بذلك سرًا ا.هـ
(8) انظر هامش ( 3 ) .