فهرس الكتاب

الصفحة 19020 من 27345

2-الوجه الثاني: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يقول خلاف الحق، لا في حياته ولا في وفاته، وهذه الوصية تخالف شريعته مخالفة ظاهرة، من وجوه كثيرة -كما يأتي- وهو -صلى الله عليه وسلم- قد يُرى في النوم، ومن رآه في المنام على صورته الشريفة فقد رآه؛ لأن الشيطان لا يتمثل في صورته، كما جاء بذلك الحديث الصحيح الشريف، ولكن الشأن كل الشأن في إيمان الرائي وصدقه وعدالته وضبطه وديانته وأمانته، وهل رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- في صورته أو في غيرها؟ ولو جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-حديث قاله في حياته، من غير طريق الثقاة العدول الضابطين لم يُعتمد عليه، ولم يُحتج به، أو جاء من طريق الثقاة الضابطين، ولكنه يخالف رواية من هو أحفظ منهم، وأوثق مخالفة لا يمكن معها الجمع بين الروايتين، لكان أحدهما: منسوخًا لا يُعمل به، والثاني: ناسخ يُعمل به، حيث أمكن ذلك بشروطه، وإذا لم يمكن الجمع ولا النسخ وجب أن تطرح رواية من هو أقل حفظًا، وأدنى عدالة، والحكم عليها بأنها شاذة لا يعمل به.

فكيف بوصية لا يعرف صاحبها، الذي نقلها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا تعرف عدالته وأمانته، فهي والحالة هذه حقيقة بأن تطرح ولا يلتفت إليها، وإن لم يكن فيها شيء يخالف الشرع، فكيف إذا كانت الوصية مشتملة على أمور كثيرة تدل على بطلانها، وأنها مكذوبة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومتضمنة لتشريع دين لم يأذن به الله!.

وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار". البخاري (109) ومسلم (2) وقد قال مفتري هذه الوصية على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما لم يقل، وكذب عليه كذبًا صريحًا خطيرًا، فما أحراه بهذا الوعيد العظيم وما أحقه به إن لم يبادر بالتوبة، وينشر للناس كذب هذه الوصية على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن من نشر باطلًا بين الناس ونسبه إلى الدين لم تصح توبته منه إلا بإعلانها وإظهارها، حتى يعلم الناس رجوعه عن كذبه، وتكذيبه لنفسه؛ لقول الله - عز وجل-:"إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ*إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" [البقرة:159-160] . فأوضح -سبحانه وتعالى- في هذه الآية الكريمة: أن من كتم شيئًا من الحق لم تصح توبته من ذلك إلا بعد الإصلاح والتبيين، والله -سبحانه- قد أكمل لعباده الدين، وأتم عليهم النعمة ببعث رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم-، وما أوحى الله إليه من الشرع الكامل، ولم يقبضه إليه إلا بعد الإكمال والتبيين، كما قال -عز وجل-:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي" [المائدة:3] .

ومفتري هذه الوصية قد جاء في القرن الرابع عشر، يريد أن يلبس على الناس دينًا جديدًا، يترتب عليه دخول الجنة لمن أخذ بتشريعه، وحرمان الجنة ودخول النار لمن لم يأخذ بتشريعه، ويريد أن يجعل هذه الوصية التي افتراها أعظم من القرآن وأفضل، حيث افترى فيها: أن من كتبها وأرسلها من بلد إلى بلد، أو من محل إلى محل بُني له قصر في الجنة، ومن لم يكتبها ويرسلها حرمت عليه شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم القيامة. وهذا من أقبح الكذب ومن أوضح الدلائل على كذب هذه الوصية، وقلة حياء مفتريها، وعظم جرأته على الكذب؛ لأن من كتب القرآن الكريم وأرسله من بلد إلى بلد، أو من محل إلى محل، لم يحصل له هذا الفضل إذا لم يعمل بالقرآن الكريم، فكيف يحصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت