فهرس الكتاب

الصفحة 19114 من 27345

ويفكر مشفق على وحدة الصف وعدم خسارة الجماعة للنفر الذين عشقوا الرياسة بأن يمنحهم ما يبغون، ويسترضيهم؛ جمعًا للجهود، وحرصًا على كل الطاقات أن تظل في خدمة القضية، ثم ينادي يحث: هيّا هيّا، ليحتضن كل منكم إخوانه، ثم يرجع وقد ظن أنه قضى بحله العاطفي هذا على فتنة.

إن مثل هذا الاقتراح هو مذهب في سياسة الجماعات خطأ، واجتهاد في التربية غريب، فإن إتاحة الفرصة لغير ذوي الأهلية والكفاية مهلكة لهم، والاستشراف للمسئولية علامة خلل في التركيب النفسي للداعية، وإنما تنبثق العناصر الريادية من خلال السير انبثاقًا تلقائيًا، وتتم تنمية المواهب من خلال منهجية تربوية شاملة، ولا يتقدم فيها إلا القوي الأمين المتجرد.

أصول اصطناع الرواد: إن التربية الريادية تتطلب تعويد ذوي القابليات والذكاء من المؤمنين على التفكير الحر، والقياس، والاستقراء، والتحليل، والتعليل، وتمرينهم على استعمال القواعد المنهجية والمنطقية، وهذا يتطلب تنمية قابلية الوصف الدقيق لديهم، واكتشاف العلاقات وفهم الواقع، وكل ذلك من أسس الاجتهاد وطرائقه.

الوزن المسترسل: إنك لا تستطيع أن تفتعل الرائد افتعالًا وتصطنعه اصطناعًا إذ لم ينهض به قدره وترشحه فطرته.. لو كانت مجرد صيحة لتركنا كل فصيح يصيح، لكنه علم الدعوة يقول: لا، ليس هو الصياح، ولا مجرد العواطف، ولا قفزات المستعجل، إنما هي أنغام الحداء التي تقود القوافل فتوصلها، ولابد أن نُعلّم كل فصيح هذه الصنعة.

وخطبنا الثقة فقال: إن حزن القلب إزاء الإساءة فطرة، وفي تعزية الله تعالى لرسول صلى الله عليه وسلم عبرة، إذ قال: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [33] { [سورة الأنعام] . فكيف بمن هو أقل مثلنا ؟وكيف إذا كانت الإساءة لا من كافر طبيعته الإساءة بل من مسلم، بل من أخ لك في الصف؟ إن التقوى تدعونا إلى أن نتحكم بألسنتنا، ثم ندعو الله أن ينسينا ويمحو من ذاكرتنا حوادث الإساءة لنا كي تبرد قلوبنا ولا يستمر غليانها.. لا نقول إلا ما يسدد ويقارب، وما يرضي الرب، أما ما يفرق وينبت الضغائن فلا، بل نصمت، ولا تتحرك ألسنتنا إلا بخير، وتلزمنا تقوى مضاعفة عندما تفور قلوبنا.. إساءة الكافر لنا تقوينا، وإساءة المسلم تؤذينا.. الفتن: تكسر النفوس، وتخذل الهمم.. إن المحن مقادير من الله يليق لها الصبر لتتحول إلى صالحنا، وهي تجارب مريبة، وسينهار كل ظلم يوم تتحد قلوبنا.. أما الأسباب الداخلية فتؤذينا، والأبنية الجماعية لا تنهار بأسباب من خارجها، ولكنه النخر الباطل.

الابتسار طريق الاندثار: يجب الرجوع إلى القاعدة الأساسية في الاهتمام بالكيف لا بالكم، نهتم بالعمق وبخط رأسي أكثر من الخط الأفقي.. تربيتنا يجب أن لا تعتمد التلقين فقط .. نحتاج إعادة الصياغة وإطالة الركوع .. كم من تهور سببته الحسابات العاطفية والنزعات التكاثرية، كان منه الإحباط والتدمير المعنوي؟! لذلك فإن الحلول التوفيقية لقضايا الفتن لن تفعل شيئًا سوى أنها تؤخر انفجار الموقف. إنها كمثل قربة مخرمة كثيرة الثقوب، لا تدري بعد ترقيعها متى تفتق عليك وترش ماءها؟

إذا قضى القاضي بدينار مختلف فيه وهو غضبان متوتر منفعل: كان حكمه مخالفًا لسنة القضاء، فكيف نحكم الدعوة ونسوس أمورها في مجالس يسودها الغضب وتسيرها التحديات؟

وميل القاضي إلى أحد الطرفين في حكم بدرهم يفتح باب الطعن في الحكم، فكيف بعصبية الشللية التي تعطي للانحياز بُعده الجماعي العميق.

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ: ووصف لنا الثقة حيصة في ساحة إخوانه فقال:' ليس هو الانشقاق فقط بل تقاعد، بل انسحاب، بل تمزق. يريد البعض أحيانًا تحطيم أحد يضيقون به ذرعًا، لحسد أو غيره، فتثار حوله التهم، لكن العملية تُفلسف في صورة دعوة لمذهب في العمل جديد واجتهاد مبتكر، وهي زخم شخصي ليست أكثر.. إن أشنع الظلم أن تتخذ من أخ لك هدفًا، وتجمع الناس والجموع ليرجموه معك.. المحورية أخت الحزبية، والتنازع على المواقع بالوقيعة باطل، وأول تلقين الشيطان لصريعه أن يعلمه أن يقول:'أنا'.. نحن دعاة، لم نجتمع، ليكره بعضنا بعضًا، وإنما اجتمعنا لنتعاون على مشقة الطريق.

وهل يدري المفتتن كم يلهي معه من الدعاة عن قصودهم، وكم يهدر من أوقاتهم إذا انصرفوا له ناصحين، ودخلوا بينه وبين إخوانه مصلحين ومحكمين؟ إنها جهود وأوقات تذهب هدرًا.

إن الممارسة السياسية تكون أحيانًا قليلة الجدوى، لاهتزاز بناء الجماعة بالخلاف، وتكون الأولوية عندئذ لإعادة البناء ودرء الفتنة، وتكون التربية هي القضية الرئيسية..إن الزمان لا يُسلم إلى عاطفي متسرع، إنما يعطى للعقلاء أصحاب التقوى والعلم'.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت