فهرس الكتاب

الصفحة 19439 من 27345

من أكبر الدعائم الأخلاقية في الائتلاف بين المسلمين إحسان الظن، الذي يؤدي إلى احتمال اجتهاد الآخرين، وتقبل آرائهم، بعيدًا عن الطعن في النوايا، والحديث عن المقاصد، وهذه آفة العمل الإسلامي والدعوي بين الفصائل المختلفة، بل أحيانًا إذا وقع الخلاف داخل فصيل واحد يتضخم ويكبر بسبب سوء الظن، فقد يكون الخلاف اجتهاديًا وتقديريًا، ولكن سوء الظن يصوره أنه خلاف كبير، والغرض منه تدمير الدعوة أو هدم الإسلام، أو أنه مرتبط بجهات مشبوهة، إلى غير ذلك من المطاعن والملاعن القائمة على سوء الظن عياذًا بالله تعالى. ومن تأمل في منهج القرآن في تربية المجتمع المسلم يجد الحث على حسن الظن في قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرً..) (25) ، وقوله في الحجرات: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم) (26) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) . ومن المعالم التربوية المهمة في هذه القضية لما بركت القصواء في طريقها إلى مكة قال عنها الصحابة رضوان الله عليهم: خلأت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما خلأت القصواء، وما ذاك لها خلق، ولكن حبسها حابس الفيل ) ) (27) . قال ابن حجر رحمه الله:"وفيه جواز الحكم على الشئ بما عرف من عادته، وإن جاز أن يطرأ عليه غيره، فإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد منه مثلها لا ينسب إليها، ويرد على من نسبه إليها" (28) ، لقد دافع النبي صلى الله عليه وسلم عن القصواء بما عرف عنها من خلق قديم أفلا نلتمس العذر للدعاة والفضلاء؟

(د) عدم تصيد الأخطاء وتضخيمها:

وهذا نتيجة طبعية لسوء الظن، وإن الأخطر من ذلك الفرح بالزلة، لتُملأ الدنيا بها ضجيجًا، مع الترصد وهذا هو الذي يفضي إلى تضخيم الأخطاء."وأما البحث عن الهفوات وتصيدها فذنوب مضافة أخرى، والرسوخ في الإنصاف بحاجة إلى قدر كبير من خلق رفيع ودين متين" (29) .

(4) إنصاف أهل القبلة:

وذلك بالدعاء لهم، وحبهم بالجملة، والشفقة عليهم إذا أخطأوا، وأخذهم بالظاهر، كما أن الأصل فيهم السلامة (( إني لم أؤمر أن أنقب قلوب الناس، ولا لأشق بطونهم ) ) (30) . كما أن إنصاف المسلمين يكون بسلامة الصدر تجاههم، وصيانة القلوب من الغل والغش والحسد والبغضاء تجاههم جميعًا. ومن الإنصاف المطلوب إغفال هفوات من غلب خيره على شره مع إعمال فقه النصيحة.

(5) التوازن والتوسط في الأمور:

التوازن في الحب، والتوازن في البغض، يساعد على الائتلاف؛ لأنه إعمال لقاعدة: أن الجماعة أو الطائفة والرجل قد يجتمع فيهم الخير والشر وموجبات الحب وموجبات البغض، فيكون الحب بقدر ما فيهم من طاعة، ويبغضوا بقدر ما فيهم من معصية. كما أن التوازن يساعد على النظر الصحيح في تقويم الأخطاء بدون تهوين ولا تهويل، والتوازن في الأمور يجعل المسلم يقبل الحق من الحبيب ومن البغيض، والتوازن في الأمور يجعل عند المسلم القابلية والمرونة في التعامل مع المخالف له في باب التعاون على البر التقوى.

المحور الخامس: توصيات ومقترحات

أشعر بأننا بحاجة ماسة إلى النفاذ إلى برامج عملية لإنزال فقه الائتلاف بيننا؛ لتحصيل الاتفاق في العمل الإسلامي، وهذا يحتاج إلى قدر كبير من الصبر على هذه الفكرة، والصمود عليها، وعدم اليأس من تحقيقها، كما تحتاج الفكرة إلى قدر كبير من الشفافية والصفاء والوضوح؛ لنحصل على وحدة إسلامية حقيقية فاعلة، كما علينا أن نستصحب الواقع الموجود في ساحة العمل الإسلامي من وجود كيانات تخشى التذويب أو التجاوز أو تتوجس خيفة على كيانها وجماعتها.

أقترح وأوصي بالآتي:

(1) إدارة حوار واسع وواضح بين الفصائل والجماعات والأفراد المهتمين بهذا الأمر:

وذلك لإيجاد برنامج حد أدنى، يتفق عليه من النواحي الفكرية والمنهجية، وأن يقود هذه المبادرة العلماء وطلاب العلم والدعاة والمختصون في شكل حوار مثمر ومتأني. وهذا مفيد في أن هذا الحوار الشفاف قد يخرج بالشكل المتفق عليه بين الجميع لوحدة العمل الإسلامي وصور التعاون فيه، وقد يخرج بوثيقة فكرية وكليات منهجية وثوابت شرعية يتفق عليها لتكون دستورًا للجميع في المرحلة القادمة.

(2) نشر أدب الخلاف وفقه الائتلاف وثقافة الوفاق في المرحلة القادمة:

إن من أكبر معوقات الائتلاف هو وجود طلاب حول كل شيخ من الشيوخ وهم الأقرب إلى قلبه ومنهجه، وكذلك في الجماعات، ويظل ارتباط الشيخ بطلابه وآرائه أكبر من جماعة المسلمين ومصلحة الأمة. وكذلك الجماعات فقد تكون قياداتها واعية، ولكن قواعدهم وطلابهم يعتبرون هذا تضييعًا للقضية، ونوعًا من أنواع المداهنة للباطل وإلى غير ذلك من الألفاظ الثورية.

والتعامل مع هذه القضية من أوجه:

(أ) على الشيوخ والقيادات العلمية والدعوية أن يربوا أفرادهم على التوازن، وفقه الخلاف، وفقه الائتلاف من أول الأمر؛ حتى لا ينقلبوا عليهم في مسائل خلافية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت