فهرس الكتاب

الصفحة 19443 من 27345

وردت الشورى في القرآن الكريم في عدة مواضع، وبصيغ متعددة، وسأذكر هذه المواضع مبينا ما ذكره المفسرون حولها (1) حيث إن هذا البحث مستمد من القرآن الكريم، ومعالجتي لهذا الموضوع في ضوئه، إذ هو من فقه القرآن. وسأبدأ بالأدلة القولية، ثم أذكر الأدلة العملية، دون التزام بترتيبها في المصحف، وسأذكر أقوال المفسرين فيما يتعلق بالشورى عند ذكر كل آية.

الموضع الأول

قوله تعالى"فبما رحمة من الله لنت لهم"

قال -تعالى- في سورة آل عمران: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (2) [ سورة آل عمران، الآية 159 ] .

هذه الآية جاء الأمر فيها بالمشاورة صريحا واضحا. (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (3)

* قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية:

ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي من أجله أمر -تعالى ذكره- نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاورهم، وما المعنى الذي أمره أن يشاورهم فيه؟ فقال بعضهم: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (4) [ سورة آل عمران، الأية: 159 ] بمشاورة أصحابه في مكايد الحرب، وعند لقاء العدو، تطييبا منه بذلك لأنفسهم، وتألفا لهم على دينهم، وليروا أنه يسمع منهم، ويستعين بهم، وإن كان الله - عز وجل - قد أغناه بتدبيره له أموره وسياسته إياه، وتقويمه أسبابه عنهم.

ثم ذكر أقوال العلماء في ذلك، ومن ذلك ما رواه عن قتادة حيث قال:

أمر الله - عز وجل - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمور، وهو يأتيه وحي السماء، لأنه أطيب لأنفس القوم، وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضا، وأرادوا بذلك وجه الله عزم لهم على أرشده.

* ثم قال الإمام الطبري:"وقال آخرون: بل أمره بذلك في ذلك -وإن كان له الرأي وأصوب الأمور في التدبير- لما علم في المشورة -تعالى ذكره- من الفضل".

وروي عن الضحاك بن مزاحم قوله: ما أمر الله - عز وجل - نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشورة إلا لما علم فيها من الفضل.

* وقال الحسن:"ما شاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم".

* قال الطبري: وقال آخرون:"إنما أمر الله بمشاورة أصحابه فيما أمره بمشاورتهم فيه، مع إغنائه بتقويمه إياه، وتدبيره أسبابه عن آرائهم، ليتبعه المؤمنون من بعده فيما حزبهم من أمر دينهم، ويستنوا بسنته في ذلك، ويحتذوا المثال الذي رأوه يفعله في حياته من مشاورته في أموره -مع المنزلة التي هو بها من الله- أصحابه وأتباعه في الأمر، ينزل بهم من أمر دينهم ودنياهم، فيتشاوروا بينهم، ثم يصدروا عما اجتمع عليه ملؤهم، لأن المؤمنين إذا تشاوروا في أمور دينهم متبعين الحق في ذلك، لم يخلهم الله -تعالى- من لطفه، وتوفيقه للصواب من الرأي، والقول فيه."

* ثم قال الطبري:

"وأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله - عز وجل - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه، ومكايد حربه، تألفا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرة التي يؤمن عليه معها فتنة الشيطان، وتعريفا منه أمته ما في الأمور التي تحزبهم من بعده ومطلبها، ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه في حياته صلى الله عليه وسلم يفعله."

فأما النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله كان يعرفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه، أو إلهامه إياه صواب ذلك.

وأما أمته فإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله في ذلك على تصادق وتآخ للحق، وإرادة جميعهم للصواب، من غير ميل إلى هوى، ولا حيد عن هدى، فالله مسددهم وموفقهم (5) .

* وقال ابن الجوزي في تفسيره لهذه الآية:

اختلف العلماء لأي معنى أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه -مع كونه كامل الرأي، تام التدبير- على ثلاثة أقوال:

أحدها: ليستن به من بعده، وهذا قول الحسن وسفيان بن عيينة.

(1) - سأذكر أقوال المفسرين حول الآيات دون شرح أو تعقيب إلا نادرا، ثم بعد انتهاء هذا المبحث سأذكر عدة مباحث مستمدة مما ذكر من أقوال المفسرين وغيرهم، في ضوء تلك الآيات.

(2) - سورة آل عمران آية: 159.

(3) - سورة آل عمران آية: 159.

(4) - سورة آل عمران آية: 159.

(5) - انظر لكل ما سبق: تفسير الطبري 4 / 152، 153.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت